الحرية ـ سراب علي:
تبرز أهمية ملف التعليم والتدريب التقني والمهني باعتباره ركيزة أساسية لتعزيز “الأمن الاقتصادي البشري”، والذي يمكن الأفراد على التكيف مع التحولات التكنولوجية والمتغيرات الاقتصادية المتسارعة التي تعيد تشكيل أسواق العمل، والحفاظ على مصدر دخل مستدام، وإذ تشكل شبكات الأمان الاجتماعي كالدعم والإعانات حاجزاً وقائياً يحمي الأفراد من الصدمات الاقتصادية المفاجئة، فإن التكامل بين منظومة التأهيل المهني وأنظمة الحماية الاجتماعية يشكل مقاربة ضرورية لبناء مجتمع أكثر مرونة واستقراراً.
وفي السياق السوري تحديداً حيث يعاني واقع المؤسسات من الإهمال المتراكم مقابل طموحات إعادة الإعمار، يقف الشباب على مفترق طرق مصيري حول قدرة التدريب المتاح على تأمين مستقبلهم في ظل هذه المتغيرات المتسارعة.
بوادر تحول في المشهد المهني
وهنا بين الدكتور أحمد نبيل خير بك اختصاصي التنمية والسكان من جامعة اللاذقية أن المشهد التدريبي في سوريا شهد خلال العام 2025 دفعة نوعية تمثلت في افتتاح “مركز تنمية الموارد البشرية والمهنية” في معظم المؤسسات العامة والخاصة، وتفعيل مديرية التنمية الإدارية في المحافظات الموجهة من قبل الوزارة، والتي تهدف إلى القيام بدورات تنمية المهارات والقدرات السلوكية والمهنية، ما يعكس محاولة جادة لسد الفجوة بين مخرجات التدريب واحتياجات سوق العمل.
ولفت في تصريح لـ”الحرية” إلى أنه رغم هذه التحركات الإيجابية لا يزال واقع مخرجات التعليم المهني والتقني في سوريا يواجه تحديات جسيمة، حيث إن النظام الحالي لم يكن متوافقاً بشكل كاف مع احتياجات سوق العمل، فالتركيز التقليدي على التعليم النظري الجامعي وتهميش الدورات المهنية أدى إلى خلل في هيكل سوق العمل، حيث تخرج آلاف الشباب من كليات ليجدوا فجوة كبيرة بين ما تعلموه وما هو الواقع، بينما تعاني المصانع والورش من نقص حاد في الفنيين المهرة.
موضحاً أن الأرقام تشير إلى أن معظم الشباب السوري يقضون السنوات التعليمية من (18-25) عاماً دون إنتاج حقيقي، وإنما فترة اكتساب مهارات وتعلم، ولكن هذه المهارات بحاجة لصقل ودمج بسوق العمل ما يتيح فرصة مهمة أمام مسؤولي التدريب المهني باستغلال هذه الفترات وتقديم مخرجات طلاب مهنية عالية الكفاءة.
وتابع: هنا يأتي دور التعليم المزدوج الذي بدأت سوريا بتطبيقه حيث يتمكن الطالب من قضاء وقت في المدرسة أو الجامعة لتعلم النظرية ووقت آخر في التدريب لاكتساب الخبرة، ما يرفع من نسبة توظيفهم بعد التخرج بشكل كبير.
فيما يتعلق بالتدريب ضمن الجامعات أوضح خير بك أنه لا تزال الفجوة واسعة بين ما تقدمه المناهج الأكاديمية وما يتطلبه القطاع العام والخاص، فالجامعات السورية رغم عراقتها تعاني من ضعف في ربط الجانب النظري بالجانب التطبيقي.
وأضاف: حسب تقارير منظمة العمل الدولية فإن الحل لا يكمن فقط في تطوير المناهج بل في إشراك الطلاب في التطبيق العملي المهني المباشر حسب كل اختصاص.
ركيزة “الأمن الاقتصادي البشري”
وأوضح خير بك أن “الأمن الاقتصادي البشري” لا يقتصر على توفير وظيفة، بل يمتد إلى قدرة الفرد على التكيف مع المتغيرات التكنولوجية والاقتصادية وتحقيق دخل مستدام، وهنا يبرز دور التعليم والتدريب التقني في التكيف مع المتغيرات التكنولوجية عبر إكساب الفرد مهارات تقنية قابلة للنقل، تسهل انتقاله بين القطاعات مع تطور المهن، بالإضافة إلى تنويع مصادر الدخل من خلال تأهيل الأفراد لإنشاء مشاريع صغيرة ضمن برامج مثل “الاقتصاد الاجتماعي والتضامني” التي تنفذها المنظمات غير الحكومية في سوريا، ما يعزز الصمود الاقتصادي، والمرونة المهنية عبر التعليم التقني المستمر، الذي يقلل من مخاطر البطالة الناتجة عن التغيرات الاقتصادية المفاجئة.
وأوضح خير بك أنه لتحقيق ذلك لا بد من الانتقال من الأساليب التقليدية إلى أنماط متطورة مثل: التدريب القائم على الكفاءات (CBT) حيث يُعتمد على إتقان المهارات بدلاً من النجاح النظري فقط، والتعلم القائم على العمل (WBL) ضمن نظام مزدوج يمكّن الطالب من التدرب في بيئات عمل حقيقية، ما يسهل اندماجه في سوق العمل.
كما يجب أن تشمل معايير جودة التعليم والتدريب المهني بحيث تتطابق المناهج مع المعايير العالمية، وتأهيل المدربين باستمرار،
ووجود نظام اعتماد وترخيص للمراكز التدريبية يضمن جودة مخرجاتها.
الوسائل التعليمية والتحديات
وأكد خير بك أنه لا يمكن للتعليم المهني مواكبة العصر دون تجهيز المؤسسات التعليمية بأحدث الوسائل، ومنها: المحاكاة الافتراضية (VR/AR) لتدريب الطلاب على بيئات خطرة دون مخاطر، والمكننة الصناعية لتحويل التصاميم إلى نماذج ملموسة بسرعة.
بالإضافة إلى مختبرات الأتمتة والروبوتات لمواكبة التحول نحو الصناعة الذكية، ومنصات التعلم الإلكتروني لتوفير محتوى محدث وربط المتدربين بالمصادر العالمية.
وبيّن خير بك أن هناك عدة تحديات يواجهها قطاع التدريب المهني منها :
١- الفجوة الثقافية: نظرة المجتمع إليه كخيار ثانوي، ما يستدعي حملات توعية وطنية.
٢- ضعف البنية التحتية: حاجة المعاهد لإعادة تأهيل شامل للمباني والمختبرات والآلات.
٣-ضعف الربط مع سوق العمل: مشاركة القطاعين العام والخاص دون الطموح مع حاجة لتشريعات محفزة.
٤- شح الموازنات: ارتفاع تكلفة التطوير، ما يجعل الاعتماد على المساعدات والشراكات أمراً حتمياً.
وختم خير بك: يقف مستقبل التعليم المهني في سوريا عند مفترق طرق فالتحدي الأكبر يكمن في مواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة محلياً ودولياً، والاستمرار في التدريب على آلات قديمة ومناهج نظرية يُهدر الجهد والمال ويكرّس البطالة، أما الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، والشراكة مع القطاع الخاص، وتغيير النظرة المجتمعية، فهو الاستثمار الحقيقي في “الأمن الاقتصادي البشري” ومستقبل الاقتصاد الوطني، فبناء سوريا الجديدة لن يكون بالشهادات وحدها بل بأيادٍ ماهرة وعقول قادرة على الابتكار.