هل تنبت أمطار الشتاء محاصيل الصيف؟

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية ـ سراب علي:
تشهد سوريا هذا العام موسماً شتوياً غزير الأمطار على امتداد جغرافيتها كاملة، مقارنة بالتوقيت نفسه من الأعوام السابقة ، ما يفتح الباب أمام فرصة استراتيجية لتحويل هذه الثروة المائية إلى دعم للزراعة الصيفية وتعزيز الأمن الغذائي، عبر إدارة فعّالة للمياه السطحية وتوجيهها نحو محاصيل ملائمة.

السدات لوقف هدر المياه

وأوضح الدكتور نبيل حبيب، اختصاصي المحاصيل في كلية الزراعة بجامعة اللاذقية، أن ضمان أقصى استفادة من مياه الأمطار يتطلب تطبيق معايير فنية دقيقة لاختيار مواقع السدات والسدود الصغيرة، تشمل:
المعايير الجيولوجية والجيو تقنية (استقرار التربة والصخور، نفاذية الأساس) والهيدرولوجية المتكاملة (كميات المياه، حجم المستجمع المائي، كفاءة المفيض)، بالإضافة إلى طبيعة الحوض المائي ومساحته ومعدل الهطولات المطرية السنوية وشدة أو غزارة الجريان السطحي، ويرى أنه من الأفضل اختيار المواقع ذات الأودية القصيرة والانحدارات المتوسطة التي تسمح بتجميع المياه بسرعة وتقليل زمن تعرضها للتبخر.
وأضاف حبيب :كما تعد الخصائص الجيولوجية للتربة عاملاً حاسماً، إذ ينبغي أن تكون صخرية أو قليلة النفاذية للحد من الفاقد بالتسرب، ويؤخذ بالاعتبار عمق الخزان وشكله، حيث يساهم الخزان العميق وصغير المساحة السطحية في خفض معدلات التبخر مقارنة بالخزانات الضحلة الواسعة، إضافة إلى ذلك، يراعى القرب من الأراضي الزراعية المستفيدة لتقليل فاقد النقل، وإمكانية استثمار المياه بالجاذبية قدر الإمكان، فضلاً عن اعتماد تقنيات مساعدة مثل تغطية أجزاء من سطح المياه أو إنشاء مصدّات رياح طبيعية حول الخزانات.

خبير زراعي : الاستفادة من الهطول المطري عبر السدات والمحاصيل الذكية والبيوت المحمية

الأكثر ملاءمة

في ظل محدودية المياه وتكرر فترات الجفاف في فصل الصيف ، أشار الدكتور حبيب إلى أن المحاصيل ذات الكفاءة العالية في استخدام المياه هي الخيار الأنسب للزراعة الصيفية، ومن أبرزها، محاصيل حقلية كالذرة الرفيعة (متحملة للجفاف ولها استخدامات علفية)، والسمسم، والبقوليات مثل الفول السوداني واللوبيا، التي تساعد أيضاً في تحسين خصوبة التربة، ومحاصيل الخضار: مثل البندورة والباذنجان والفليفلة، عند ريها بأنظمة حديثة كالتنقيط، لما تحققه من عائد اقتصادي مرتفع مقابل كل قطرة ماء، بالإضافة للنباتات الطبية والعطرية: مثل الزعتر والكمون والكزبرة والاستيفيا كخيار استراتيجي، والتي تستهلك مياهاً قليلة وتتمتع بقيمة تسويقية عالية محلياً وتصديرياً.

أصناف محلية تتحمل العطش

وأكد الاختصاصي الزراعي أن سوريا تمتلك ثروة وراثية ثمينة من الأصناف المحلية المتكيفة تاريخياً مع الجفاف وشح المياه ، كمحاصيل الحبوب: أصناف محلية من القمح والشعير، والبقوليات أصناف من العدس والحمص، والأشجار المثمرة ذات السلالات المحلية من الزيتون والتين والعنب ذات تحمل عال للإجهاد المائي.
وأضاف: تكمن أهمية هذه الأصناف في كونها قاعدة وراثية ثمينة يمكن تطويرها عبر برامج التحسين الوراثي والانتخاب المدروس لرفع إنتاجيتها مع الحفاظ على قدرتها التحملية، الاستثمار في البحث الزراعي المحلي وحفظ هذه الأصول خطوة محورية لتحقيق الأمن الغذائي في مواجهة التغير المناخي.

الزراعة المحمية حل واقعي

يُعد التحول نحو الزراعة المحمية (البيوت المحمية) خياراً اقتصادياً وتقنياً واعداً لإنتاج محاصيل صيفية عالية القيمة في ظل شح المياه، كما بين حبيب ، وأضاف: تخفض البيوت المحمية استهلاك المياه بنسبة 40-60% مقارنة بالزراعة المكشوفة، بفضل التحكم الدقيق بالري والظروف المناخية الداخلية، وتضاعف الإنتاجية، وتسمح بإنتاج محاصيل خارج موسمها الطبيعي، ما يرفع العائد الاقتصادي للمساحة والمياه معاً، وتتطلب بنية تحتية مناسبة وتدريباً للكوادر الزراعية، لكنها تشكل حلاً استراتيجياً للزراعة المستدامة.
ويقدم الدكتور حبيب مثالاً تطبيقياً ناجحاً من محافظة طرطوس، حيث أصبحت الزراعة المحمية ركيزة اقتصادية واجتماعية، توفر فرص عمل وتغطي حاجة السوق المحلية بل وتسمح بالتصدير للعديد من محاصيل الخضار.

Leave a Comment
آخر الأخبار