وابل أمطار لا يمحو سنوات العطش.. موسم استثنائي في اللاذقية لا يعني تعافياً مستداماً

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – سراب علي:
بعد مواسم من الجفاف أثرت سلباً في الزراعة والموارد المائية بمحافظة اللاذقية، جاء الموسم المطري الحالي بهطولات غزيرة رفعت منسوب السدود والسدّات المائية، لكن يبقى السؤال: هل يشهد الساحل السوري تعافياً حقيقياً من الجفاف، أم أن  وابل هذه الأمطار مجرد تحسن ظرفي؟
هنا يوضح أستاذ جغرافية المناخ في جامعة اللاذقية، الدكتور رياض قره فلاح في تصريحه لـ “الحرية “أن كميات الأمطار المسجلة  تجاوزت المعدل السنوي بنسبة تتراوح بين 20 و40% في معظم محطات القياس، لا سيما في المناطق الساحلية والجبلية، مما يجعل الموسم استثنائياً بعد سنوات من الجفاف.
لكنه يؤكد أن موسماً واحداً غزيراً لا ينهي حالة الجفاف هيدرولوجياً، خاصة مع استنزاف المخزون الجوفي والسدود سابقاً، ويضيف أن الحديث عن تعافٍ مستدام لا يزال مبكراً، رغم أن الموسم الحالي يشكّل دفعة قوية لإعادة التوازن المائي.
أما على صعيد السدود  فقد  بين قره فلاح  أنه ارتفعت نسب التخزين لتتجاوز 70-80% في بعض السدود الكبرى (كتشرين، البسيط، المزيرعة)، ما يؤمّن احتياجات الري والشرب للفترة القادمة، لكن استدامة هذا التعاف مرتبطة بالمواسم المقبلة.

تطبيق تقنيات

وحول المياه الجوفية وكيف انعكست الأمطار الأخيرة على منسوب المياه الجوفية والابار ، فيشير أستاذ جغرافية المناخ إلى أن  الآبار الضحلة  في السهول الساحلية بدأت تسجل  ارتفاعاً ملحوظاً في المنسوب وتحسّن في النوعية، فيما تستجيب الآبار العميقة ببطء لكنها بدأت تظهر مؤشرات إيجابية.
ولفت  قره فلاح إلى أن البنية الحالية للسدود تحتاج إلى شبكة إضافية من السدود الصغيرة والحصادية، مع صيانة قنوات التغذية، للاستفادة المثلى من الهطولات الغزيرة وتقليل الفاقد الذي قد يصل إلى 30-40% جرياناً سطحيّاً و20-30% تبخراً حسب درجات الحرارة والرطوبة  وهذه النسب يمكن خفضها بتحسين إدارة الأراضي وتطبيق تقنيات حصاد المياه.

مشيراً إلى أن استجابة المخزون الجوفي  الفعلية للهطولات المطريّة تختلف بحسب عمق الطبقة الجوفية ومسامية الصخور في المناطق الساحلية ذات الطبقات الكارستية، قد تستجيب بعض الينابيع والآبار خلال أسابيع إلى أشهر، أما الخزانات الجوفية العميقة فقد تحتاج من سنة إلى ثلاث سنوات من الأمطار المتواصلة فوق المعدل لتعود إلى مستوياتها الطبيعية قبل الجفاف.

الإدارة الرشيدة

وأوضح قره فلاح أن الموسم المطري الغني يدفع أحياناً إلى توسع غير منظم في حفر الآبار أو الإسراف في الاستهلاك الزراعي مع عودة موسم جاف محتمل، يمكن أن يحدث استنزاف أسرع للمخزون الجوفي الذي لم يتعافَ بالكامل بعد، وهنا تبرز  الإدارة الرشيدة ضرورية لتجنب العودة إلى مرحلة العجز الحاد لا يمكن التعويل على الأمطار وحدها لضمان الأمن المائي  في الساحل السوري  لان ذلك يتطلب مزيجاً من تخزين مياه الأمطار عبر سدود وتجميعات مكملة، وإدارة الطلب على المياه في الري والشرب والصناعة، ومعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها، بالإضافة إلى حماية مصادر المياه الجوفية من التلوث والاستنزاف، والأمطار هي المصدر الأساسي لكن بدون سياسات مائية متكاملة تبقى الهشاشة قائمة.

سدود حصادية

أكد الدكتور رياض قره فلاح أن تجنب العودة إلى مرحلة الجفاف يتطلب إجراءات عاجلة، أبرزها: ترشيد استهلاك المياه في الزراعة بالتحول إلى الري الحديث بدلاً من الري بالغمر، ووقف التراخيص العشوائية لحفر الآبار، وصيانة السدود القائمة ورفع كفاءة شبكات الري، إلى جانب تكثيف التوعية المجتمعية بأهمية الحفاظ على المياه ومراقبة نوعية المياه الجوفية مع ارتفاع منسوبها.
وفي ما يخص تحسين حصاد مياه الأمطار وتغذية الخزانات الجوفية مستقبلاً، أوضح قره فلاح ضرورة إنشاء سدود حصادية صغيرة (تجميعية) في الروافد العليا لإطالة زمن الجريان وتعزيز التشرب، وتطبيق تقنيات الحصاد المطري كالمصاطب والمصارف الحجرية، وإعادة تأهيل الأراضي الحرجية وزراعة الأحزمة الشجرية للحد من الجريان السطحي، إضافة إلى استخدام آبار التغذية لتوجيه مياه السيول إلى الطبقات الجوفية، ووضع خريطة لحساسية التغذية المائية لتحديد أولويات التدخل.

Leave a Comment
آخر الأخبار