واشنطن تقدم ورقة الـ15 بنداً لإنهاء الحرب.. فهل هذه نهاية أم بداية لاستسلام إيراني؟

مدة القراءة 11 دقيقة/دقائق

الحرية ــ أمين سليم الدريوسي:

بعد مايقارب الشهر من المواجهة العسكرية المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد أصوات المدافع وحدها ما يشغل العالم، ففي الوقت الذي كانت فيه طائرات حربية تدك منشآت  نطنز  وأصفهان وفوردو، كانت قنوات دبلوماسية خلفية تعمل بصمت لرسم ملامح ما بعد الحرب، اليوم، تطفو على السطح مسودة أمريكية من 15 بنداً تحمل في طياتها وعوداً بوقف الحرب مقابل تفكيك القدرات النووية الإيرانية وإعادة تشكيل دورها الإقليمي، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل نحن أمام تفاوض حقيقي أم أمام استسلام مقنّع بغطاء دبلوماسي؟

مسودة الـ15 بنداً وما تريده واشنطن

كشفت تقارير صحفية متطابقة، منها ما نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية و«القناة 12» الإسرائيلية ووكالة «أسوشييتد برس»، عن وثيقة أمريكية مؤلفة من 15 بنداً، قدمتها إدارة الرئيس دونالد ترامب كإطار للتفاوض مع إيران، تم تسليمها عبر وسيط غير تقليدي هو رئيس الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير. وتتضمن البنود الأساسية ما يلي:

الملف النووي:  تفكيك القدرات النووية الإيرانية بالكامل، والتزام طهران بعدم السعي أبداً لامتلاك سلاح نووي، ووقف تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية، وتسليم جميع المواد المخصبة – التي تقدر بنحو 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% – إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق جدول زمني متفق عليه، كما تشمل البنود إخراج منشآت نطنز وأصفهان وفوردو من الخدمة وتدميرها، ومنح الوكالة الدولية وصولاً كاملاً إلى المعلومات والمنشآت داخل إيران.

الدور الإقليمي:  تخلي إيران عن ما يسمى نهج «الوكلاء»، مثل وقف تمويل وتسليح الأذرع التابعة لها في المنطقة بشكل فعلي، وهذا البند يستهدف تفكيك شبكة النفوذ الإيرانية التي امتدت لعقود في لبنان والعراق واليمن وسوريا.

الأمن الإقليمي: ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً كممر بحري دولي دون تعطيل، وهو مطلب يعكس الأثر الكارثي للحرب على أسواق الطاقة العالمية، حيث يمر عبر المضيق نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.

الملف الصاروخي:  تأجيل الحسم مع التوجه لفرض قيود مستقبلية على العدد والمدى، مع حصر استخدام القدرات العسكرية الإيرانية مستقبلاً في إطار الدفاع الذاتي فقط.

حوافز الإغراء التي تقدمها واشنطن

في المقابل، تقدم الولايات المتحدة حزمة حوافز كبيرة تشمل:

  •  رفع جميع العقوبات المفروضة على إيران، وهو ما قد يسمح بضخ أكثر من 100 مليار دولار من الأصول المجمدة إلى الاقتصاد الإيراني.
  • تقديم دعم لتطوير برنامج نووي مدني في بوشهر لتوليد الكهرباء، تحت إشراف الوكالة الدولية.
  • إلغاء آلية «سناب باك» الخاصة بإعادة فرض العقوبات تلقائياً، ما يوفر لطهران ضمانة بعدم عودة العقوبات بشكل مفاجئ.
  • وقف إطلاق النار لمدة شهر لتهيئة أجواء التفاوض.

طهران.. بين الإغراء والرفض وقراءة في الفصيل الصاعد

في المقابل، يبدو الموقف الإيراني أكثر تعقيداً، فبينما أعلن الرئيس الأمريكي ترامب عن إجراء محادثات بناءة، واصفاً تنازلاً إيرانياً حول مضيق هرمز بأنه «هدية كبيرة»، نفت طهران رسمياً وجود أي حوار مباشر مع واشنطن، فقد قال المتحدث باسم القيادة المركزية الإيرانية (خاتم الأنبياء) العقيد إبراهيم ذو الفقاري في بيان متلفز: «هل وصلتم إلى نقطة أنكم تتفاوضون مع أنفسكم؟ كلمتنا الأولى والأخيرة كانت وستبقى: شخص مثلنا لن يتوافق أبداً مع شخص مثلكم. ليس الآن، وليس بعد أبداً».

لكن ما يستحق التدقيق هنا هو المشهد الداخلي الإيراني. فتعيين محمد باقر ذو القدر  أمس خلفاً لعلي لاريجاني الذي اغتيل في الضربات الإسرائيلية يمثل تحولاً دراماتيكياً في بنية صنع القرار في طهران، حيث ينتمي ذو القدر، القيادي السابق والبارز في الحرس الثوري، إلى أشد الفصائل تصلباً، وهذا التعيين يشير إلى أن المؤسسة العسكرية – وتحديداً الحرس الثوري – تضيق قبضتها على زمام الأمور في اللحظة التي تطالب فيها واشنطن بتنازلات كبرى.

هذا التناقض يخلق معادلة مستعصية: فمن جهة، حجم الضغط العسكري (مع وصول 5000 جندي أمريكي إضافي من الفرقة 82 المحمولة جواً إلى المنطقة، ليصل إجمالي القوات إلى أكثر من 50 ألف جندي«ووعد رفع العقوبات يشكلان حافزاً قوياً لطهران للدخول في مفاوضات. لكن من جهة أخرى، فإن التعيين الجديد يعكس تقوية الجناح الأكثر تشدداً، ما يجعل من الصعب سياسياً على النظام أن يقبل اتفاقاً يتطلب تفكيك أدوات القوة التي شكلت هويته وهيمنته الإقليمية لعقود.

نهاية للحرب أم بداية استسلام؟

ولفهم طبيعة هذه المسودة، لا بد من العودة إلى الوراء قليلاً، قبل أيام فقط من اندلاع الحرب في 28 شباط، كان المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون يجتمعون في جنيف بوساطة عمانية، وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي وصف المحادثات بأنها الأكثر جدية وبأنها بناءة منذ سنوات، وكشف علناً أن اتفاقاً مبدئياً كان يمكن التوقيع عليه في غضون أيام، فالإيرانيون، وفق التقارير، أبدوا مرونة غير مسبوقة، واقترحوا إطاراً يقضي بتخفيض مخزون اليورانيوم عالي التخصيب والسماح بتفتيش أمريكي مشارك إلى جانب الوكالة الدولية.

لكن بدلاً من استكمال هذا المسار الدبلوماسي، شنت واشنطن وتل أبيب ضرباتهما المدمرة. ما حدث يطرح سؤالاً محرجاً: لماذا اختارت الإدارة الأمريكية تدمير جسر دبلوماسي كان قيد الإنشاء؟ وفي الإجابات المحتملة عن هذا التساؤول، هناك ثلاث قراءات محتملة:

القراءة الأولى: الاستعلاء العسكري:  ترى أن واشنطن كانت تنتظر فقط اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاضية، وأن المفاوضات لم تكن أكثر من «غطاء» لاستكمال الاستعدادات العسكرية، هذا ما تروج له الدعاية الإيرانية، لكنه يتسق مع نمط السلوك الأمريكي حيث وقعت هجمات مماثلة خلال محادثات سابقة في عُمان.

القراءة الثانية: إعادة تشكيل المنطقة: تقول إن هدف واشنطن لم يكن مجرد وقف التخصيب، بل تغيير نظام الحكم في إيران، فقد أعلنها ترامب صراحة عندما صرح وقال إن الضربات تهدف إلى «تمهيد الطريق للإيرانيين للإطاحة بنظامهم»، من هذا المنظور، فإن المسودة الحالية ليست سوى مرحلة انتقالية في مشروع أوسع لتغيير النظام.

القراءة الثالثة: الرغبة في «نصر قابل للتصدير»: ربما شعرت الإدارة الأمريكية بأن الاتفاق الوشيك في جنيف قبل الحرب لم يكن «نصراً» كافياً لتسوقه داخلياً ولحلفائها، فاختارت مساراً مختلفاً بتوجيه ضربة عسكرية قوية لإضعاف إيران، ثم العودة بشروط أكثر صرامة، واليوم، وبعد شهر من القصف تقريباً، ربما أصبحت طهران في موقع أضعف من وجهة النظر الأمريكية، ما قد يدفعها لقبول ما كانت ترفضه سابقاً. هذه الاستراتيجية – «التفاوض تحت النار» – وتهدف لتحويل الاتفاق إلى نصر قابل للتصدير، لكنها محفوفة بالمخاطر، فالضغط المفرط قد يدفع طهران للرفض وتوسيع رقعة الحرب بدلاً من إنهائها.

المسار الدبلوماسي.. من يتوسط ومن يرفض؟

وسط هذا الجمود، برزت أسماء عدة وسائط محتملة. تقارير تشير إلى أن باكستان لعبت دوراً محورياً في نقل المسودة، حيث أرسل الرئيس ترامب رسالته عبر رئيس الجيش الباكستاني عاصم منير، كما ظهرت أسماء أخرى، مثل تركيا التي عرضت استضافة للمحادثات، لكن إيران رفضت بسبب علاقات أنقرة الوثيقة مع واشنطن، قطر التي ساعدت في وقف إطلاق النار عام 2025 لكنها أصبحت هدفاً لهجمات إيرانية، كازاخستان التي انضمت مؤخراً إلى «اتفاقات إبراهيم» وقد تكون منصة محايدة، وسلطنة عُمان التي لا تزال الوسيط الأكثر ثقة من وجهة نظر طهران، رغم شعورها بالخذلان بعد الهجمات.

إيران أبدت تفضيلاً غريباً: طلب من الوسطاء نقل رغبتها في التفاوض مباشرة مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بدلاً من فريق ويتكوف وكوشنر، بسبب انعدام الثقة في الأخيرين، البيت الأبيض رفض الطلب، ما يعقّد الأمور أكثر.

هل خسرت واشنطن الحرب؟

وهو السؤال الذي يتردد: هل دفعت واشنطن ثمناً باهظاً أجبرها على تقديم مبادرة السلام؟

الأرقام تشير إلى أن الحرب كانت مكلفة للاقتصاد الأمريكي، لكن الخسارة الأكبر كانت للاقتصاد العالمي، فقد ارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية (قاربت 120 دولاراً للبرميل قبل أن تتراجع إلى 100 دولار «وتهديد مضيق هرمز دفع واشنطن إلى البحث عن مخرج، لكن لا يمكن القول إن واشنطن «خسرت» الحرب عسكرياً، بل العكس هو الصحيح: الولايات المتحدة حققت إنجازات ميدانية كبيرة، حيث تم تدمير منشآت نووية رئيسية وتصفية قيادات كبار.

الأهم هو أن الإدارة الأمريكية أدركت أن استمرار الحرب، خصوصاً مع إغلاق المضيق وارتفاع التضخم، يهدد الاقتصاد العالمي ويدفع باتجاه ركود تضخمي قد يكلف ترامب شعبيته قبل انتخابات التجديد النصفي، لذلك، جاءت المبادرة الأمريكية كـ «مخرج» يحفظ ماء الوجه للجميع، مع شروط قاسية تنتزع من إيران قدراتها الاستراتيجية.

هل هو استسلام أم تفاوض مشروط؟

ولكن بالنظر إلى بنود المسودة الأمريكية، يصبح من الصعب وصف هذه العملية بأنها «تفاوض»، فالمسودة تشبه إلى حد كبير ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ«diktat» أو إملاء الشروط، فإيران مطالبة بتفكيك كل ما بنته على مدى عقود، «برنامجها النووي، ترسانتها الصاروخية، نفوذها الإقليمي عبر الوكلاء، وقدرتها على تهديد مضيق هرمز»، في المقابل، تحصل على رفع العقوبات فقط.

لكن المفارقة أن هذا السيناريو لا يختلف كثيراً عما حدث مع نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا عام 2003، حين وافق على تفكيك برنامجه النووي مقابل رفع العقوبات وتطبيع العلاقات مع الغرب، إلا أن القذافي سقط بعد سنوات قليلة، ولم تمنعه تنازلاته من مصير مأساوي، هذه العبرة لا تغيب عن بال القيادة الإيرانية.

مكاسب أمريكية ورهانات إيرانية

في المحصلة، تبدو الولايات المتحدة هي الطرف الأكثر تحقيقاً للمكاسب من هذه المسودة. فهي تحصل على:

  •  تفكيك البرنامج النووي الإيراني الذي تعتبره يشكل تهديداً وجودياً لـ«إسرائيل» وحلفائها الخليجيين.
  • إنهاء دور إيران الإقليمي الذي أزعج واشنطن لعقود.
  •  تأمين الملاحة في مضيق هرمز، ما يعيد الاستقرار لأسواق الطاقة.
  •  إنجاز دبلوماسي كبير لترامب قبل انتخابات التجديد النصفي.

أما إيران، فربما ستخرج من هذه الأزمة بنظام سياسي منهك، وقدرات عسكرية محدودة، ونفوذ إقليمي منكمش، لكنها ستحصل على ما تحتاجه بشدة: إنقاذ اقتصادها من الانهيار الكامل.

ويبقى السؤال الحقيقي الذي تتركه هذه المسودة دون إجابة: «هل ستوافق إيران على شروط الاستسلام المقنّع، أم إن التيار المتشدد داخل الحرس الثوري، الذي عين مؤخراً محمد باقر ذو القدر خلفاً لعلي لاريجاني، سيدفع البلاد نحو مزيد من التصعيد؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

Leave a Comment
آخر الأخبار