الحرية- سراب علي:
في ظل الأزمة الاقتصادية التي كانت تعيشها سوريا لسنوات والتي تجسدت بارتفاع التضخم وفقدان الليرة السورية لقيمتها، وفي ضوء التجارب السابقة لتغيير العملة في دول تعاني من أزمات اقتصادية حادة (مثل فنزويلا أو زيمبابوي)، تبرز مجدداً تساؤلات حول جدوى إصدار عملة ورقية جديدة كحل جذري، وهل يمكن لهذه الخطوة وحدها استعادة الثقة ووقف الانحدار، أم إنها مجرد “ضمادة” على جرح غائر؟
هنا يشير الخبير الاقتصادي وعميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية الدكتور عبد الهادي الرفاعي إلى أنه في خضم الأزمة الاقتصادية الخانقة التي كانت تعيشها سوريا، مع تضخم مفرط تجاوز 200% وفقدان العملة لأكثر من 98% من قيمتها أمام الدولار، تطفو على السطح فكرة “تغيير العملة” كحل سحري لمشاكل اقتصادية معقدة، لكن التاريخ الاقتصادي العالمي يحمل لنا دروساً قاسية يبين فيها أن تغيير العملة بدون إصلاح اقتصادي حقيقي يشبه وضع ضمادة على جرح غائر دون تنظيفه من التلوث.
دروس الماضي المريرة
يستعرض الرفاعي لـ”الحرية”، تجارب تاريخية كشفت فشل تغيير العملة كإجراء منفرد، ففي زيمبابوي، لم يُجدِ إلغاء العملة عام 2009 بعد وصول التضخم إلى معدلات فلكية، بسبب استمرار الطباعة النقدية لتمويل العجز وانهيار الإنتاج. كما لم تنجح فنزويلا عام 2018 في وقف التضخم بإصدار “البوليفار السيادي” بينما استمرت السياسات النقدية التوسعية ذاتها، ما أفقد العملة الجديدة 99.9% من قيمتها خلال عامين.
د. الرفاعي: الطريق الى استقرار العملة السورية يمر عبر إصلاحات هيكيلة
ويوضح الرفاعي أن “العملة ليست أكثر من مرآة تعكس صحة الاقتصاد الحقيقي. لا يمكن لورقة جديدة أن تشفي اقتصاداً مريضاً”، ويحدد أسباب الفشل في التركيز على العَرَض وليس المرض معالجة “تضخم الأسعار” وليس الاختلالات الهيكلية، واستمرار السياسات الخاطئة: مثل التمويل النقدي للعجز الحكومي وانهيار الإنتاج، و عدم استعادة الثقة التي تُبنى بالإصلاحات والمؤسسات، وليس بورقة نقدية جديدة.
شروط صارمة وإصلاح مرافق
يُشير الرفاعي إلى أن النجاح حصري في حالات نادرة اقترنت بالتغيير بحزمة إصلاحات شاملة، كما في الإصلاح النقدي الألماني (1948)، الذي رافقته سياسة نقدية مستقلة، وإصلاحات هيكلية لتحرير الأسواق، ودعم خارجي (مشروع مارشال).
وشروط النجاح تتلخص في:
1. حزمة إصلاحات شاملة ترافق التغيير.
2. استقلال البنك المركزي عن الضغوط السياسية.
3. دعم مالي خارجي أو احتياطيات كافية.
4. استعادة الثقة عبر سياسات شفافة.
5. إنتاجية اقتصادية قادرة على دعم العملة.
ويضيف الرفاعي: بعد قرار سورية تغيير عملتها، فهناك إصلاحات ضرورية وملحة يجب أن ترافق التغيير، الإصلاح النقدي والمصرفي من خلال الاستقلال الحقيقي للبنك المركزي، وتحديد سقف صارم للتضخم المستهدف، وتوحيد سعر الصرف: إلغاء تعدد الأسعار (الرسمي، السوق السوداء)، بالإضافة إلى إصلاح النظام المصرفي من خلال معالجة الديون المتعثرة، وتحسين الحوكمة.
ويوضح الرفاعي أن الإصلاح المالي الحكومي يكون بإصلاح المالية العامة، لتقليص العجز عبر تقليل النفقات غير المنتجة، وبالنظام الضريبي العادل، مكافحة التهرب، وإصلاح الدعم تحويله من دعم عام إلى دعم مستهدف للفئات الضعيفة، شفافية الموازنة بنشر البيانات المالية بشكل دوري وواضح.
ويلفت الرفاعي إلى أن إصلاح الاقتصاد الحقيقي يكون بتحفيز الإنتاج المحلي خاصة الزراعة والصناعات الخفيفة، وجذب الاستثمار من خلال قوانين استثمارية جاذبة، حماية المستثمرين، وإعادة الإعمار بطريقة منتجة تولد فرص عمل ودخول ، وتطوير البنية التحتية.
ويرى الرفاعي أن الإصلاح المؤسسي والحوكمة يكون من خلال مكافحة الفساد وشفافية العقود، وإصلاح القضاء التجاري، فض المنازعات، حماية العقود، وتحسين مناخ الأعمال لناحية تبسيط الإجراءات، تقليل البيروقراطية، والاستقرار القانوني المتضمن قوانين واضحة ومستقرة.
وبحسب الخبير الاقتصادي يتطلب الاندماج الاقتصادي الإقليمي والدولي تسوية الأوضاع الإقليمية وإعادة العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية، وتفعيل الاتفاقيات الاقتصادية العربية، و جذب تحويلات المغتربين عبر قنوات رسمية وآمنة.
تغيير العملة ليست بديلاً
ويحذر د.الرفاعي من مخاطر التسرع في التغيير دون إصلاح موازٍ ، والتي قد تشمل فقدان الثقة المتسارع، واضطراب المعاملات خلال الفترة الانتقالية، وتضخم أسوأ إذا استمرت السياسات النقدية التوسعية، وهروب رؤوس الأموال خوفاً من المجهول، إهدار الموارد المالية على عملية الاستبدال نفسها، تأجيل الإصلاحات الحقيقية ، تفاقم الأزمة الاجتماعية إذا صاحب التغيير مزيداً من التدهور المعيشي.
ويختم الرفاعي حديثه بتأكيد حقيقة أساسية، بأن العملة الورقية هي عقد اجتماعي بين المواطن والدولة على قيمة التبادل، عندما ينكسر العقد الاجتماعي الأوسع، لا ينفع تغيير الورقة، مؤكداً أن الاقتصاد السوري بحاجة إلى علاج جذري وشامل، وليس مسكنات مؤقتة، والعملة الجديدة، بدون الإصلاحات المصاحبة، ستكون مجرد مسكن يخفي الألم مؤقتاً بينما يستمر المرض في التفاقم.