وصية أوغاريت تنصب الأم حارسة للعدالة والإرث داخل البيت

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية ـ باسمة إسماعيل:

في عمق التاريخ الإنساني، لم تكن الأم مجرد رمز للعاطفة فقط، بل كانت أصل القيم وميزان العدالة داخل الأسرة. قدسيتها لم تصغ في الشعر وحده، بل كتبت في القوانين ونقشت في ألواح الطين، حيث تحول الحنان إلى معيار يقاس به الاستحقاق. ومن أوغاريت، تطالعنا وصية استثنائية تكشف كيف ارتقى الحب إلى مرتبة التشريع، وكيف غدت الأم المرجعية العليا التي يحتكم إليها في بناء العدل داخل البيت.

شهادة حية على روح مدينة كاملة

يقدم الباحث في التراث ومدير دائرة أوغاريت الدكتور غسان القيم قراءة معمقة لوثيقة “وصية الطين”، مؤكداً في حديثه ل “الحرية” أنها تتجاوز كونها نصاً قانونياً أو إدارياً، لتغدو شهادة حية على روح مدينة كاملة. ويقول: ليس هذا الرقيم مجرد وثيقة قانونية ولا هو نص إداري وضع ليحفظ في أرشيف القصر ثم ينسى. إنه قطعة من قلب المدينة نقشت حين شعر رجل بأن الزمن يضيق وأن ما لا يقال اليوم قد يضيع غداً، فاختار أن يُودِع صوته في الطين لأن الطين وحده يعرف كيف يصبر.

ويمضي القيم في توصيفه الإنساني لمشهد الحياة الذي تعكسه الوصية:

في هذا النص لا نقرأ أسماء وأرقاماً فقط، بل نلمس بيتاً كاملاً منفتح الأبواب، ثيران تعود من الحقول مع الغروب، حمير تحمل تعب النهار، أغنام تعرف الطريق إلى الحظيرة، أدوات برونزية صقلتها الأيادي نفسها التي خبزت الخبز، وحقل يشرب من نهر رحباني كما يشرب الأطفال من ذاكرة أمهاتهم. كل هذا لا يذكر للتفاخر بل ليقال بوضوح: هذا البيت كان حياة مشتركة.

شراكة إنسانية

ويشير القيم إلى أن جوهر النص يكمن في إعادة تعريف الملكية بوصفها شراكة إنسانية، مستشهداً بقول لاريمان:

“كلّ ما هو موجود هو لي، وكلّ ما جمعته بيداوة معي.”

ليؤكد أن هذه العبارة تذيب الفواصل التقليدية بين الرجل والمرأة، وتحول الملكية إلى اعتراف صريح بدور المرأة كشريكة كاملة في بناء الحياة.

ويبرز القيم اللحظة المفصلية في الوصية، حيث تتجلى جرأة التشريع في منح الأم سلطة أخلاقية تتجاوز حدود الإرث المادي، قائلاً: هي التي تختار مَن يرث، هي التي تزن القلوب قبل أن تفتح الصناديق، وهي التي تقرر إن كان الابن أهلاً للدار لا بحكم الدم بل بحكم السلوك.

ويضيف أن النص يضع حماية صارمة لكرامة الأم، إذ إن الإساءة إليها تفضي إلى فقدان الانتماء الاجتماعي، بعقوبات تتجاوز البعد المادي إلى الطرد الرمزي من الهوية والذاكرة. في المقابل، يرتقي البار بها إلى مرتبة الحق القانوني، حيث يتوج الابن البار وريثاً شرعياً، في إشارة واضحة إلى أن الاستحقاق يبنى على القيم لا على النسب وحده.

الحب تشريعاً

ويؤكد القيم أن هذه الوثيقة تعيد تقديم المرأة الأوغاريتية بوصفها محور التوازن داخل الأسرة، لا كعنصر تابع، بل كصاحبة قرار تصوغ المستقبل، مشيراً إلى أن ما يجعل هذا الرقيم نادراً ليس موضوعه فحسب بل نبرته الإنسانية.

إنه نص لا يخشى أن يقول: إن الحب يمكن أن يكون تشريعاً،

وإن الثقة حين تكتب تصبح أثراً.

ويختم بالتأكيد على أن أوغاريت قدمت نموذجاً حضارياً متقدماً، حيث كانت المرأة “شريكة الملكية، وسيدة القرار، وحافظة البيت”، وأن ما ينقش بالعدل يبقى أبقى من المدن نفسها، هكذا من تحت طبقات الرماد والزمن ينهض صوت أوغاريتي صاف ليقول لنا: إن المدن لا تقاس بأسوارها بل بما تتركه من عدل في بيوت ناسها.

الحضارات تخلد في الذاكرة بالإنسانية

تعيد وصية الطين الأوغاريتية تعريف العلاقة بين القانون والإنسان، حيث يصبح الحب أساس التشريع، وتغدو الأم مرجعية العدل داخل الأسرة. وبين سطور هذا النص القديم، تتجلى حقيقة لا يطولها الزمن: أن الحضارات التي تؤسس قوانينها على الرحمة، تضمن لنفسها الخلود في ذاكرة الإنسانية.

Leave a Comment
آخر الأخبار