“وقت مستقطع”… حين يتحول المسرح إلى محكمة أخلاقية مفتوحة

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – ميسون شباني:
يعود العرض المسرحي السوري “وقت مستقطع” إلى خشبة المسرح بعد سنوات من الغياب، حاملاً معه أسئلته القلقة وجرأته الفكرية، في تجربة مسرحية تسعى إلى تعرية الواقع الإنساني والأخلاقي من خلال نص سوداوي، كتبه جوان جان وأخرجه سهيل عقلة، ليؤكد من جديد أن المسرح لا يزال قادراً على مساءلة المجتمع وكشف تناقضاته العميقة.
العمل الذي قُدّم لأول مرة عام 2017 لفترة قصيرة، قبل أن يتوقف بسبب حساسية موضوعه وطبيعته النقدية، يعود اليوم برؤية إخراجية جديدة، أكثر نضجاً وجرأة، معتمداً على مقاربات بصرية وأدائية مبتكرة، دون أن يفقد روحه الفكرية أو حدّته النقدية.

صراع غير مألوف: الشر في مواجهة الشر

على خلاف البناء الدرامي التقليدي القائم على ثنائية الخير والشر، يطرح “وقت مستقطع” صراعاً غير معتاد، كما يوضح المخرج سهيل عقلة، حيث تتواجه شخصيات تمثّل الشر في صورته المطلقة. شخصيات لا تبحث عن تبرير أخلاقي بقدر ما تكشف، بلا مواربة، عن انحلالها الداخلي وتفسخها القيمي، في انعكاس مباشر لخطاب اجتماعي يبرر الخطأ ويحوّل الجريمة إلى نتيجة مفهومة للظروف.
تدور أحداث المسرحية حول شخصين يلتقيان مصادفة في مكان عام، داخل حديقة أُغلقت أبوابها عليهما، فيجدان نفسيهما عالقين في “وقت مستقطع” من الحياة. يبدأ الحوار عابراً، لكنه سرعان ما يتحول إلى مواجهة قاسية، تتكشف خلالها خفايا الشخصيتين، وتنهمر الاعترافات الأخلاقية تباعاً، فيما يشبه مباراة مفتوحة في سرد الانحطاط الإنساني.

نص سوداوي يكشف العفن المخفي

يقدّم النص نماذج بشرية ترفع شعارات الأخلاق والتدّين، لكنها ما تلبث أن تسقط عند أول اختبار. شخصيات تبيع شرفها، وتخون أقرب الناس إليها، وتبرر أبشع الأفعال بمنطق المصلحة والحاجة. من أبٍ يشرعن الفساد داخل أسرته مقابل المال، إلى رجل آخر يتستر خلف خطاب ديني زائف وهو غارق في التهريب والخذلان، هذا التعرّي القاسي لا يهدف إلى الصدمة المجانية، بل إلى طرح سؤال وجودي عميق: من نكون حين تُنزع الأقنعة؟ وهل بقي للكرامة مكان في عالم يبرر كل شيء؟

إخراج بصري يخدم الفكرة

إخراجياً، حاول سهيل عقلة نقل النص من الورق إلى الخشبة عبر حلول بصرية تتقاطع مع بنية النص. فجاء الديكور بسيطاً في شكله، عميقاً في دلالاته، حيث شكّل مقعد الحديقة محور الفضاء المسرحي، متحولاً بين أرجوحة، ولعبة أطفال، وعنصر تعبيري يعكس حالة التأرجح النفسي والاجتماعي للشخصيات، في رمز مباشر لمعاناة المواطن السوري وتقلب مصيره.
وأكد عقلة أن الديكور في هذا العمل ليس مجرد خلفية، بل أداة درامية قائمة بذاتها، تُسهم في بناء المعنى، وتفتح المجال أمام قراءة رمزية متعددة المستويات.

أداء تمثيلي متفاوت

على مستوى الأداء، جسّد الفنان تاج الدين ضيف الله شخصية الرجل الأول، مقدماً حضوراً يعتمد على الخبرة، وإن بدا في بعض اللحظات مقيداً بمتطلبات شخصية تحتاج إلى تلوّن أدائي أكثر حدة. في المقابل، قدّم سهيل العقبة مخرج العمل أداءً أكثر ليونة وحركية، انسجم فيه مع طبيعة شخصيته، بينما تركت مادونا حنا أثراً لافتاً رغم حضورها المحدود، مضيفة بعداً إنسانياً مكثفاً إلى العرض.

بين الجدية والكوميديا السوداء

نجح العرض في الموازنة بين الجدية القاتمة ولمسات من الكوميديا السوداء، ما منح النص مساحة أوسع للتلقي، يؤكد الكاتب جوان جان أن قوة النص المسرحي تكمن في قابليته لإعادة التقديم دون أن يفقد راهنيته، طالما أنه يستند إلى أفكار إنسانية عميقة. وهو ما يتحقق في “وقت مستقطع”، الذي لا يكتفي بانتقاد الفساد كظاهرة، بل يغوص في جذوره الأخلاقية والاجتماعية، مقدماً عرضاً يضع المتلقي في مواجهة مباشرة مع ذاته.
وأضاف: مسرحية “وقت مستقطع” تشكّل تجربة وجدانية وفكرية ثقيلة، تترك أسئلتها مفتوحة، وتؤكد أن المسرح، حين يلامس الحقيقة، يظل فعلاً مقاوماً للنسيان.

Leave a Comment
آخر الأخبار