أول قانون ينصف الرجل.. التعميم رقم 17 «ولاية السفر» يعيد تشكيل البنية الأسرية؟

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- إلهام عثمان:

في أروقة المحاكم الشرعية السورية، وعلى مقاعدها الباردة، تتكشف قصص أسرٍ شتتتها الحرب، لتجد نفسها في معركة جديدة مع نصوص قانونية تسعى للتنظيم، ولكنها قد تنتج تبعات تمسّ صميم الحياة الأسرية.
ففي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أصدرت وزارة العدل التعميم رقم «17» لتنظيم «ولاية السفر للقاصر» ، تاركاً بصماته على واقع العديد من النساء السوريات.

بين الحضانة والولاية: الأمهات السوريات في مواجهة نصوص قانونية تبحث عن مرونة

إعادة ترتيب أولويات

هذا التعميم، الذي لم يبتكر حقاً جديداً بل أعاد ترتيب الأولويات، أبقى ولاية السفر حكراً على الولي الذكر «الأب، ثم الجد للأب، ثم الأخ، فالعم»، ما يعيد تشكيل صلاحيات القرار داخل الأسرة.
هذا التغيير أثار تساؤلات جوهرية حول مدى مواءمته لواقع مئات الأسر التي فقدت عائلها، خصوصاً في ظل غياب الأب، أو احتياج الأم للسفر لأسباب طارئة كالعلاج أو لمّ شمل الأسرة.

تأثيرات على أرض الواقع

تحوّلت النقاشات القانونية إلى معاناة يومية لأمهات مثل «هانيا 43»، التي انفصلت عن زوجها منذ ثلاث سنوات كانت ترغب بأصطحاب ابنها الوحيد معها للعلاج، تقول: علاقتي بأهل زوجي لم تكن جيدة أساساً، وأرغب بالسفر للعلاج و لم يسمحوا بسفر طفلي، ما جعلني حبيسة المرض.
وكذلك «أم محمد 56 عاماً»، التي تخشى أن تتحول التعقيدات الإجرائية إلى عائق أمام جمع شملها بباقي أبنائها في الخارج بعد وفاة زوجها.

آلية جديدة لإجراءات قديمة

يهدف التعميم، بحسب الأستاذ محمد رجب الذي أوضح في حوار مع صحيفة «الحرية»، إلى تبسيط الإجراءات وتخفيف العبء عن المحاكم، حيث يمكن إصدار إذن سفر للقاصرين وجوازاتهم مباشرة عبر مديريات الهجرة.

لكن هذا التسهيل يقترن بشرط أساسي حضور وموافقة «الولي الشرعي» من الذكور.
ويشير رجب إلى أن هذا التعميم جاء «لإعادة ترتيب للأولوية فقط، وهو مستمدة من القانون السوري والشرع، كون القاصر يحمل نسب والده»، مضيفاً أن التعديل يأتي «لمواجهة حالات واقعية قد تترك فيها الأم أطفالها، ما يجعل الأب أو العصَبة -من وجهة النظر هذه- الضامن الأكثر استقراراً».
وأضاف رجب أنه من النقاط الإيجابية للقرار التي تصب في صالح المرأة في حال «الطلاق التعسفي» يحق لها المطالبة بتعويض مادي

لا إلغاء لحق الأم.. بل تنظيم

من جهته، يؤكد الأستاذ علي عساف أن التعميم «لا يلغي حق الأم»، بل «ينظم إجراءات الولاية وفق الأطر القانونية القائمة»، بهدف تجنب تعيين أوصياء جدد في حال غياب الأب، وأوضح أن الولاية قد تنتقل إلى جدة الأم (أم الأم) في حال عدم وجود أي ولي ذكر من العصَبة.

ولاية السفر: حماية للأطفال أم كبح لحركة الأسرة؟ شرعية الأم تحت المجهر

تساؤلات حول شرعية الأم

في المقابل، تحذر الخبيرة الأسرية عبير محمد من تداعيات نفسية قد يعكسها هذا التعميم، معتبرة أن إجبار الأم على «استئذان آخر» في قرارات مصيرية لأطفالها قد يهز صورتها ويضعف مكانتها، لتصبح رسالة مفادها «أن شرعية الأم ناقصة».

تمييز وتقويض للشرعية؟

تُقابل هذه الآلية انتقادات من ناشطات حقوقيات، عبر صفحات التواصل الاجتماعي، حيث وُصف فيها التعميم بأنه «تمييز صريح لصالح الذكور» وقد لا يحقق «المصلحة الفضلى للطفل».
وتتساءل هلا بعلبكي ناشطة حقوقية: هل حالات قليلة من النساء التي تخلين عن أطفالهن من أجل الزواج أو غيره، تبرر صدور قرار لصالح الرجل؟ تقييد مصير جيل كامل؟
أما حنان عبود تقول: هل يمكن لمُعاناة الأم على مدار سنوات أن تُختزل في مجرد الحضانة، مع تجريدها من حق تقرير مصير أبنائها لأنها أنثى؟ تلك الأم عانت على مدار أعوام ووقفت في وجه جميع التحديات هل يمكننا أن نجردها من أبسط حقوقها وهو تقرير مصير أطفالها لتكون تحت رحمة الرجل وأهله؟

رجب: في حال (الطلاق التعسفي) يحق لها المطالبة بتعويض مادي

الفجوة بين الحضانة والولاية

يُظهر التعميم تمييزاً بين مفهومين حسب رأي رجب، فالحضانة تظل في الغالب من حق الأم للرعاية اليومية، أما الولاية وحق التصرف في الأمور المصيرية كالسفر والتعليم العالي والأموال، فقد حصرها التعميم بـ«العصَبة» من الذكور.
وهنا نرى تذبذب بين مؤيدي هذا القرار بأنه إعادة ترتيب للأولويات وهي مستمدة من الشرع، في حين يراه منتقدوه زيادة في أعباء أمهات يعانين أصلاً.

أين المرونة؟

يُعيد التعميم رقم (17) فتح ملف الموازنة بين التنظيم الإداري والواقع الاجتماعي المعقد، فبينما يرى مؤيدوه أنه خطوة لتنظيم إجراءات قديمة، يرى منتقدوه أنه يزيد من أعباء أمهاتٍ يعانين أصلاً.
يبقى السؤال المطروح: هل يمكن تطوير آليات أكثر مرونة، كتفويض قاضٍ شرعي بتقييم كل حالة على حدة، لضمان أن تخدم الحماية مصلحة الطفل الحقيقية دون أن تتحول إلى قيد ظالم للحاضنة؟ فالأسرة السورية، التي صمدت في وجه عواصف الحرب، تنتظر إجابة.

Leave a Comment
آخر الأخبار