الحرية – جهاد اصطيف:
تستقبل أسواق مدينة حلب عيد الأضحى المبارك هذا العام بإيقاع مختلف، ازدحام واضح في الشوارع التجارية والأسواق القديمة، وحركة موسمية تحاول استعادة أجواء العيد المعتادة، يقابلها حذر كبير في الشراء وتراجع ملحوظ في القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من الأهالي، في مشهد يلخص العلاقة المعقدة بين رغبة الناس في الحفاظ على طقوس العيد التقليدية، والضغوط الاقتصادية التي فرضت نفسها على تفاصيل الحياة اليومية.
ففي أسواق سيف الدولة والفرقان والتلل والمدينة القديمة، ازدانت واجهات المحال بالعروض الموسمية والتنزيلات، وانتشرت الإعلانات الخاصة بعيد الأضحى، فيما حاول التجار تنشيط الحركة عبر تخفيضات متفاوتة ومهرجانات تسويقية، إلا أن المشهد العام بقي أقرب إلى «الترقب الحذر»، مع اكتفاء عدد كبير من المتسوقين بالسؤال عن الأسعار أو شراء الحد الأدنى من الاحتياجات.
سوق الألبسة.. تفاوت بين المحلي والمستورد والتسعير بالدولار
وبحسب جولة ميدانية في الأسواق، ظهر تفاوت واضح بين أسعار المنتجات المحلية والمستوردة، مع استمرار بعض المحال في تسعير الألبسة الأجنبية بالدولار الأمريكي، رغم التحذيرات الرسمية من التسعير بغير الليرة السورية.
وسجلت أسعار الألبسة المستوردة مستويات متفاوتة، إذ بلغ سعر الحذاء نحو 25 دولاراً أمريكياً، وبدلة الكتان 25 دولاراً، والبلوزة 10 دولارات، فيما وصل سعر البيجامة إلى 25 دولاراً.

أما الأحذية المسعرة بالليرة السورية الجديدة، فجاءت على النحو التالي: حذاء الجلد الرجالي 5700 ليرة، وحذاء الرياضة 4000 ليرة، والحذاء الصيني 2500 ليرة، والحذاء المستورد «وجه ونعل – لزق محلي» 2000 ليرة، بينما بلغ سعر الحذاء النسائي نحو 3000 ليرة.
وفي ألبسة الأطفال، تراوحت الأسعار بين 1360 ليرة للبلوزة، و1700 ليرة للبلوزة الصيفية، و2100 ليرة للشورت، و3950 ليرة للطقم الولادي، وصولاً إلى 4900 ليرة للفستان البناتي.
أما الألبسة الرجالية، فسجل الطقم الرجالي نحو 15 ألف ليرة، والبنطال السوري 1890 ليرة، والتركي 4500 ليرة، والقميص 1850 ليرة، والقميص القطني 3000 ليرة، وكنزة القطن 2500 ليرة، وشورت الجينز 2500 ليرة، والجاكيت البارشوت 6000 ليرة، والقميص الرسمي 3300 ليرة، وبنطال القماش 4000 ليرة.
وفي القسم النسائي، تراوح سعر البنطال التركي عند 4500 ليرة، والبنطال السوري بقماش تركي عند 2500 ليرة، والسوري 1800 ليرة، والبلوزة 3000 ليرة، والفستان 6000 ليرة.
التجار: الحركة الشرائية دون المواسم السابقة وتركيز على الأطفال فقط
ورغم هذا التنوع، يوضح تجار السوق أن الحركة الشرائية لا تزال دون مواسم سابقة، مع تغير واضح في أولويات الشراء.
ويوضح التاجر صطاف أحمد، صاحب محل ألبسة، في حديثه لـ«الحرية»، أنه في السنوات الماضية كانت العائلة تشتري للعيد احتياجات كاملة للأب والأم والأطفال، أما اليوم فإن أغلب الناس يركزون على قطعة أو قطعتين للأطفال فقط، وأن هناك من يؤجل شراء الألبسة للكبار، مشيراً إلى أن الأسعار ارتفعت مقارنة بعيد الفطر مع دخول الموسم الصيفي، والبضائع الشتوية المخفضة التي كانت تساعد على تنشيط السوق لم تعد موجودة.
حلويات العيد: شراء بكميات صغيرة والأصناف الشعبية أكثر طلباً
وفي سوق الحلويات، الذي يعد أحد أبرز رموز العيد في حلب، تبدو الصورة مشابهة من حيث الحركة المستمرة، لكنها محسوبة، وشراء بكميات صغيرة في أغلب الأحيان.
وسجلت أسعار كعك العيد وأقراص العجوة نحو 500 ليرة جديدة، فيما بلغ سعر «سوار الست» 1000 ليرة، وكيلو الحلو المشكلة المحشية بالفستق العادي نحو 1000 ليرة، بينما تجاوز سعر الكيلو المحشو بالفستق الحلبي 3000 ليرة.
ويقول أحمد أصطيفي، وهو يعمل في محل حلويات، إن الحلويات الشرقية أصبحت بالنسبة لكثير من العائلات مرتبطة بالحد الأدنى، حيث بات الزبون يدخل ويسأل ويقارن ويطلب كمية صغيرة تكفي للضيافة أو للأطفال.
وأضاف أن الأسعار ارتفعت بسبب ارتفاع أسعار السكر والسمن والفستق الحلبي والطاقة والنقل، وكلها انعكست مباشرة على تكلفة التصنيع، لذلك الأصناف الشعبية اليوم أكثر طلباً من الحلويات الفاخرة. وأشار إلى أنه على الرغم من ذلك يبقى للعيد خصوصيته، فهناك زبائن يحرصون على شراء المعمول أو الحلو الحلبي مهما كانت الكمية قليلة، لأن هذه العادة مرتبطة بذاكرة العيد في حلب.
آراء الناس: فرحة العيد لا تغيب رغم الضغط
في الأسواق، لا تغيب فرحة العيد رغم ضغط الأسعار، تقول صفاء عبد الكريم، وهي متسوقة في سوق المدينة: «الأجواء عموماً كانت جميلة، والناس موجودة في السوق، لكن أغلبهم يحسب حساب كل ليرة، فالبدلة العادية اليوم قد تصل إلى 700 أو 800 ألف ليرة، وهذا رقم كبير، لكن بالنهاية العيد له فرحته، وكل شخص يحاول أن يشتري حسب إمكانيته».
أما شادي مهنا، موظف وأب لأربعة أطفال، فيقول: «الأولوية اليوم للأطفال، نحن كأهل ممكن أن نستغني عن اللباس الجديد، لكن الطفل ينتظر العيد واللباس والعيدية، لذلك نحاول أن نؤمن الضروري ونختصر قدر الإمكان».
وترى إزدهار سعيد، من سكان الأشرفية، أن الأسواق لا تزال تحتفظ بجانبها الاجتماعي رغم الظروف، «فحتى في حال لم نشتر الكثير، فمجرد المشي في السوق ومشاهدة الناس والمحلات يخلق إحساس العيد، وهذا مهم للأولاد وللعائلة».
قراءة اقتصادية: فجوة مستمرة بين الدخول والأسعار
ويرى الخبير الاقتصادي فادي حمود أن المشهد الحالي في أسواق حلب يعكس بشكل مباشر الفجوة المستمرة بين الدخول والأسعار، ويقول في تصريح لصحيفة «الحرية»: «إن المواسم الاستهلاكية في سوريا لم تعد مرتبطة بالإنفاق الواسع كما في السابق، بل باتت محكومة بإدارة الأولويات داخل الأسرة، لأن ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي، وزيادة أسعار الطاقة والنقل، وتقلبات سعر الصرف، كلها عوامل انعكست على السوق، ما جعل التاجر يرفع سعره لتغطية الكلفة، فيما يواجه المستهلك قدرة شرائية محدودة».
ويضيف حمود أن النتيجة هي نشاط موسمي ظاهر في الأسواق من حيث الحركة والازدحام، لكن بحجم شراء أقل من المعتاد، وهذا يفسر وجود حركة تجارية دون انعكاس واضح على حجم المبيعات.
رقابة مستمرة من مديرية التجارة الداخلية
في المقابل، كثفت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حلب جولاتها الرقابية مع اقتراب العيد.
وأوضح مدير المكتب الإعلامي في المديرية، بلال الأخرس، أن عناصر حماية المستهلك تتابع الأسواق بشكل يومي، للتأكد من الإعلان عن الأسعار وجودة المواد وصلاحيتها، إلى جانب استقبال الشكاوى واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
وأشار إلى تنظيم عدد من الضبوط التموينية بحق مخالفات تتعلق بعدم الإعلان عن الأسعار، ومخالفات السلامة والنظافة، مؤكداً استمرار الرقابة خلال فترة العيد بهدف الحفاظ على استقرار السوق وتوافر المواد للمواطنين.
ذاكرة متجددة.. حلب تحافظ على تقاليدها رغم الظروف
ورغم ثقل الأرقام وصعوبة المعيشة، لا تزال حلب تحافظ على جزء كبير من تقاليدها المرتبطة بعيد الأضحى. ففي الأسواق القديمة، وبين أصوات الباعة وروائح الحلويات الشرقية وحركة العائلات في الأزقة التجارية، تبدو المدينة وكأنها تحاول التمسك بفرحتها المعتادة، ولو بحدود أقل من الأعوام السابقة. فالعيد في حلب، كما يقول كثير من الأهالي، ليس فقط شراء حاجات جديدة، بل أيضاً مساحة اجتماعية وذاكرة متجددة، تحاول المدينة الحفاظ عليها، حتى في أصعب الظروف الاقتصادية.