الحرية – منال الشرع:
تُعد الأعياد والمناسبات الدينية محطات إنسانية هامة تتجلى فيها أسمى معاني الرحمة والمشاركة، وفي مجتمعاتنا التي تستمد قيمها من جذور روحانية وحضارية عميقة، يبرز التكافل الاجتماعي كضرورة حتمية ليس فقط لسد حاجة المعوزين، بل لبناء مجتمع متماسك تسوده الألفة والمحبة، ولا يقتصر أثر المبادرات الخيرية والعطاء، كتقديم الأضاحي، على الجانب المادي أو سد الرمق فحسب، بل يمتد ليكون ركيزة أساسية للصحة النفسية السليمة للفرد والمجتمع على حد سواء.
وفي هذا السياق، تتقاطع رؤى خبراء التنمية البشرية مع متخصصي الصحة النفسية، فيقول محمد لبابيدي، الاختصاصي في التنمية البشرية: إننا نعيش في مجتمع تظله التعاليم والأخلاق الروحانية، فسوريا هي مهد الحضارات، وتدعو جميع الأديان السماوية إلى التراحم والتماسك في المجتمع، وشرط هذا التماسك هو التكافل الاجتماعي. ويتمثل التكافل الاجتماعي في التوزيع العادل لمقدرات هذا المجتمع ودخله على جميع فئات الشعب، بشكل يقضي على الفوارق الطبقية.
ويشير لبابيدي في حديثه لـ«الحرية» إلى أن ديننا الإسلامي قد شرّع الزكاة، وحضّ على الصدقات والإعانات، كما جعل الأضحية في الأعياد وسيلة للاهتمام بالأسر الفقيرة التي قد لا يسمح دخلها بشراء اللحم. وقد شُرعت سُنة الأضحية لكي يشعر الفقير بإحساس المجتمع به، وأنه ليس منبوذاً أو عالة عليه. وعطاء الأضاحي، كعطاء الزكاة والصدقات، لا يتبعه منّة ولا أذى، لأنه حق للفقير في أموال الغني، وحق له على مجتمعه.
ويرى لبابيدي أن المجتمعات اليوم، وخاصة المجتمع السوري، تحض على هذه العطايا وتدعو إليها، ففي شهر رمضان، على سبيل المثال، لدينا سلة رمضان وزكاة الفطر، وفي عيد الأضحى لدينا الأضاحي التي تهدف إلى إدخال السرور على قلوب الأسر المحرومة، وخاصة تلك الأسر التي تحسبها أغنياء من التعفف. لذلك، وبوصفنا خبراء في التنمية البشرية، ندعو جميع القادرين على تقديم الأضاحي إلى المبادرة بها لما لها من ثواب عظيم، وأن يُوزع النصيب الأكبر منها على الفقراء والمعوزين لكي يشعروا بأنهم جزء لا يتجزأ من مجتمعهم.
وأضاف إن المجتمع يفكر بالفقراء والمعوزين، وهو ما يعزز من قوة التماسك الاجتماعي، فالأضحية أجر وثواب وإدخال للفرحة على قلوب الطبقات الفقيرة والضعيفة، وفرحة العيد يجب أن تعم كل بيت وكل فرد في المجتمع، لأن العيد منحة من الله للجميع، وليس لفئة على حساب فئة أخرى.
وفي الضفة الأخرى، وفي سياق تخصصها في الصحة النفسية، بيّنت الدكتورة في كلية التربية عائشة ناصر في حديث مماثل لـ«الحرية» أن من معايير الصحة النفسية: الوعي بالذات، وهذا مرتبط بالضرورة بالوعي بالآخر ويقود إلى الرضا عن الذات والآخر، وتقبل الذات والآخر، ومن ثم تقدير وتحقيق الذات والآخر، وكذلك بناء واستمرار علاقات إنسانية ناجحة.
وترى ناصر أن مجرد إحساسك بحاجة الآخر وبذل الجهد لتقديم ما يفيد ويلبي تلك الحاجات يدل على أنك تمتلك من معايير الصحة النفسية ما يجعلك فرداً ناجحاً منتجاً في مجتمعك، مفيداً لنفسك ولمجتمعك.
ووفق الدكتورة ناصر، فهذه المبادرات تعبر عن درجة مناسبة للصحة النفسية لدى من يقوم بها، وتعزز وتحسن هذه الدرجة كلما ازدادت تلك المبادرات وكلما شارك الفرد بها. كما أنها تلبي الحاجة إلى الأمان لدى أفراد الأسر المحتاجة، وتزيد الألفة، وتسهم في بناء واستمرار علاقات ناجحة مفيدة للفرد والمجتمع، لاسيما عند تكرار تلك المبادرات وعلى مستويات مختلفة، لتؤكد أن الشعور بالآخر ومساندته هو ارتقاء بالذات وإحياء لروح الجماعة.
ويمكن القول ختاماً: إن العطاء ليس مجرد سد لحاجة مادية، بل هو غذاء لروح المعطي قبل الآخذ. ففي كل يد تمتد للمساعدة، تُبنى لبنة جديدة في صرح مجتمع متماسك، لتصبح هذه المبادرات النبيلة هي النبض الحقيقي الذي يحيي القلوب ويحفظ توازن المجتمعات.