تخفض كلفة الشحن بنسبة تصل إلى 40%.. السكك الحديدية تعيد إنعاش الاقتصاد السوري

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية ـ نهلة أبوتك:
يعود ملف السكك الحديدية في سوريا إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الخيارات الاقتصادية القادرة على إعادة تشكيل خريطة النقل الداخلي، وربما فتح مسار أوسع لربط البلاد بمحيطها الإقليمي، في ظل الارتفاع المتواصل في تكاليف النقل البري، وتزايد الأعباء اللوجستية على حركة البضائع والإنتاج.
وتشير المعطيات إلى توجهات وخطط لإعادة تأهيل هذا القطاع الحيوي، ضمن مساعٍ تستهدف تحديث البنية التحتية للسكك الحديدية وإعادة تشغيل الشبكة تدريجياً ورفع كفاءتها التشغيلية، إلى جانب تمويلات موجهة لدعم عمليات التأهيل، من بينها منحة مخصصة من البنك الدولي تُقدّر بنحو 200 مليون دولار لإعادة تطوير هذا القطاع الحيوي.
ويؤكد الخبير الاقتصادي عبد المنعم زاهده في حديثه لـ”الحرية” أن إعادة إحياء وربط السكك الحديدية في سوريا في هذه المرحلة لا يُعد خياراً خدمياً، بل ضرورة اقتصادية لإعادة تنظيم العلاقة بين الإنتاج والنقل والتوزيع.
ويضيف زاهده أن النقل السككي في حال إعادة تشغيله بكفاءة يمكن أن يخفض كلفة الشحن بنسبة تتراوح بين 30% و40% مقارنة بالنقل البري، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع، ويخفف من الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة.
ويشير إلى أن الأهمية اليوم لا تكمن فقط في إعادة تشغيل الخطوط، بل في إعادة التفكير بالسكك الحديدية كمنظومة اقتصادية متكاملة تعيد ربط الجغرافيا الإنتاجية داخل سوريا، وتحول النقل من عبء إلى عنصر إنتاج.

خط الحجاز الذاكرة التاريخية لشريان النقل في المنطقة

لا يمكن فهم أهمية إعادة إحياء السكك الحديدية في سوريا دون العودة إلى أحد أهم المشاريع التاريخية في المنطقة، وهو خط سكة حديد الحجاز الذي انطلق من دمشق مطلع القرن العشرين، ليشكّل آنذاك شرياناً استراتيجياً ربط بلاد الشام بالجزيرة العربية وصولاً إلى المدينة المنورة.
لم يكن الخط مجرد وسيلة نقل، بل تحول إلى محور اقتصادي واجتماعي أعاد تنظيم حركة التجارة والحج، وأسهم في تقليص زمن السفر بشكل كبير، وربط دمشق بمناطق حوران ودرعا والأردن وصولاً إلى الحجاز.
كما أسهم خط الحجاز في خلق تجمعات سكانية وأسواق نشأت حول محطاته، ليشكّل نموذجاً مبكراً على قدرة السكك الحديدية في تحفيز التنمية وخلق مراكز اقتصادية مرتبطة بمسارات النقل.

من التاريخ إلى الواقع لماذا تعود السكك الحديدية اليوم؟

تكتسب العودة إلى هذا الإرث التاريخي أهمية مضاعفة في السياق الحالي، مع تصاعد كلف النقل والطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، ما يعيد طرح السكك الحديدية كخيار أكثر كفاءة واستدامة.
ويرى زاهده أن ما كان خط الحجاز يقدمه قبل أكثر من قرن من ربط الجغرافيا وتسهيل الحركة الاقتصادية، يمكن اليوم إعادة إنتاجه بصيغة حديثة أكثر تعقيداً، تربط الداخل السوري أولاً، ثم تنفتح على محيطه الإقليمي.

السكك الحديدية كأداة لإعادة تشكيل الاقتصاد

مؤكداً أن إعادة إحياء السكك الحديدية لا تتعلق بالنقل فقط، بل بإعادة هندسة الاقتصاد الداخلي عبر خفض كلفة النقل بين المحافظات وتقليل الاعتماد على النقل البري المكلف
وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد وربط المناطق الزراعية والصناعية بشبكة واحدة.

مراكز لوجستية حول محطات النقل

ويشدد زاهدة على أن السكك الحديدية عندما تعمل بكفاءة تتحول من بنية تحتية إلى محرك اقتصادي يعيد توزيع النشاط الإنتاجي جغرافياً، ويقلل الفجوة بين المركز والأطراف.

البعد الإقليمي فرصة مشروطة

على المستوى الإقليمي، تتجه العديد من الدول إلى تعزيز مشاريع الربط السككي ضمن ممرات تمتد بين آسيا والبحر المتوسط وأوروبا، ما يجعل الموقع الجغرافي لسوريا مرشحاً للاندماج في هذه الشبكات مستقبلاً.
لكن هذا الاندماج، وفق زاهده، لا يمكن أن يبدأ من الخارج، بل من الداخل عبر بناء شبكة سكك فعّالة قادرة على العمل بكفاءة أولاً، قبل الدخول في أي ربط إقليمي.

التحديات بين الطموح والقدرة التنفيذية

ورغم أهمية هذا المسار، إلا أن التحديات برأي زاهده تبقى قائمة، وأبرزها: تدهور جزء من البنية التحتية، الحاجة إلى تحديث تقني واسع، ضعف التكامل بين النقل والقطاعات الإنتاجية، وارتفاع تكلفة إعادة التأهيل والتشغيل.
ويؤكد زاهده أن نجاح أي مشروع سككي لا يقاس فقط ببدء التنفيذ، بل بقدرة المنظومة على التشغيل المستدام وتحويل الاستثمار إلى أثر اقتصادي فعلي.
بين الإرث التاريخي لخط الحجاز، والواقع الاقتصادي الحالي الذي يفرض ضغوطاً متزايدة على كلفة النقل، وبين التوجهات التمويلية لإعادة تأهيل البنية التحتية، تبدو إعادة إحياء السكك الحديدية في سوريا خياراً استراتيجياً يتجاوز البنية التحتية إلى إعادة تعريف العلاقة بين الجغرافيا والاقتصاد.
ويرى خبراء أن هذا الملف لا يتعلق بالماضي فقط، بل بمستقبل شكل الاقتصاد السوري وقدرته على استعادة كفاءته وربط مناطقه ضمن منظومة نقل حديثة وأكثر استدامة.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار