الحرية ـ نهلة أبوتك:
في وقت تتجه فيه دول العالم نحو الاستثمار في السياحة المستدامة كمصدر دخل طويل الأمد، تبرز السياحة البيئية في سوريا، كأحد أهم الموارد الاقتصادية غير المستثمرة بالشكل الكافي، رغم ما تمتلكه البلاد من تنوع طبيعي نادر يؤهلها لتكون وجهة إقليمية ودولية بارزة.

ربيع 2026 يكشف جانباً من هذه الإمكانات، فمن جبال الساحل التي تكتسي بالخضرة، إلى سهول القلمون وبحيرات الداخل، تتشكل مشاهد طبيعية تعيد التأكيد على أن سوريا لم تفقد مقوماتها السياحية، بل تأخر استثمارها فقط.
وفي قراءة للمشهد السياحي، يؤكد الخبير السياحي مازن اسمندر لـ«الحرية» أن القطاع بدأ يستعيد عافيته تدريجياً، مدفوعاً بعودة الطلب وتحسن نسبي في حركة السفر.
مؤشرات تعافٍ بأرقام متباينة
ويشير اسمندر إلى أن البيانات تعكس تحولاً تدريجياً في أداء القطاع، موضحاً أن سوريا استقبلت عام 2010 نحو 8.5 ملايين سائح بعائدات بلغت 6.3 مليارات دولار، ما شكّل حينها نحو 14% من الناتج المحلي.
إلا أن هذه الأرقام تراجعت بشكل حاد إلى نحو 170 ألف سائح عام 2015، قبل أن تعاود الارتفاع في عام 2025 لتصل إلى 3.56 ملايين زائر بين كانون الثاني وتشرين الثاني، بنمو بلغ 18% مقارنة بالعام السابق.
ويلفت إلى أن عدد الزوار العرب والأجانب ارتفع بنسبة 80%، وهو الأعلى منذ أكثر من 15 عاماً، في حين تُقدَّر كلفة إعادة تأهيل القطاع السياحي بنحو 100 مليار دولار خلال عام 2026، بالتوازي مع نمو قطاع السياحة في الشرق الأوسط بنسبة 3% فوق مستويات ما قبل الجائحة.
السياحة البيئية.. فرصة غير مستثمرة
ورغم هذه المؤشرات، لا تزال السياحة البيئية في سوريا خارج إطار الاستثمار المنظم ،في هذا السياق، يؤكد الخبير البيئي الدكتور بلال السيد أن سوريا تمتلك واحداً من أغنى أنماط التنوع البيئي في المنطقة، إلا أن هذا التنوع لم يتحول بعد إلى منتج سياحي متكامل.
ويشير إلى أن البلاد، رغم مساحتها المحدودة، تضم بيئات متباينة تشمل الغابات والجبال والأنهار والبحيرات، إضافة إلى أكثر من 300 نوع من الطيور المهاجرة، فضلاً عن شريط ساحلي يمتد لنحو 180 كيلومتراً.
ويشدد السيد على أن التحدي الأساسي لا يكمن في نقص الموارد، بل في غياب الإدارة العلمية، موضحاً أن: “تحويل الطبيعة من مورد خام إلى منتج سياحي منظم هو التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة”.
طلب متزايد.. واستجابة محدودة
على صعيد الطلب، يشير اسمندر إلى عودة تدريجية للسياحة، خصوصاً من الدول العربية، مدفوعة بانخفاض التكلفة ورغبة الزوار في اكتشاف وجهات جديدة، إضافة إلى عامل الحنين.
لكن هذا الطلب لا يزال يواجه تحديات عدة، أبرزها ضعف البنية التحتية، ومحدودية أنظمة الحجز الإلكتروني، إضافة إلى نقص الكوادر السياحية المؤهلة، وفي المقابل، تسجل السياحة الداخلية نشاطاً ملحوظاً، مع نسب إشغال تجاوزت 70% في مناطق الساحل خلال عطلات الربيع، وعودة الحركة إلى عدد من الوجهات التقليدية.
اقتصادياً، يوضح اسمندر أن كل 100 سائح أجنبي يمكن أن يضخوا نحو 50 ألف دولار أسبوعياً في السوق المحلية، ما يعكس الأثر المباشر لهذا القطاع على الاقتصاد الوطني.
تحديات تعرقل الاستثمار الحقيقي
ورغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك فجوات أساسية تعيق تطوير السياحة البيئية وتحويلها إلى قطاع اقتصادي فعّال، أبرزها ضعف البنية التحتية والخدمات ، وغياب التسويق الرقمي الفعّال، إضافة إلى محدودية الحضور على منصات الحجز العالمية ونقص الكوادر السياحية المتخصصة.
بين الإمكانات والواقع
ويرى اسمندر أن سوريا تمتلك مقومات سياحية جاهزة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إعادة تنظيم هذا القطاع ضمن إطار اقتصادي حديث.
بدوره، يؤكد الدكتور السيد أن مستقبل السياحة البيئية في سوريا مرتبط بقدرة البلاد على إدارة مواردها الطبيعية بشكل مستدام، بما يحقق التوازن بين حماية البيئة وتعظيم العائد الاقتصادي.
في المحصلة، لا تبدو السياحة البيئية خياراً ثانوياً، بل فرصة اقتصادية مؤجلة، يتوقف تفعيلها على مدى جاهزية الإدارة والاستثمار في المرحلة المقبلة.