«المتمرد».. حكاية في قصة عن الظلم والجريمة ومفارقة المصير

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية – أحمد محمود الباشا:
تسلط قصة «المتمرد» الضوء على التأثيرات العميقة للفساد الإداري والاختلالات الاجتماعية في تشكيل سلوك الأفراد، مقدمةً سرداً يقوم على المفارقة والنهاية الصادمة، ويطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين السعي إلى استرداد الحقوق والانزلاق نحو الجريمة.
وفي هذه القصة، يقدّم الكاتب أمين الساطي شخصية رجل بسيط يعمل في ورشة لطلاء السيارات، ويتمتع بسجل قانوني نظيف، ويحلم ببناء حياة مستقرة من خلال الزواج من ابنة عمته «نوال»، غير أن تحقيق هذا الحلم يصطدم بعقبة السكن التي تحولت إلى هاجس يؤرقه في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتزداد الأزمة تعقيداً بسبب وجود شقة تعود ملكيتها لعائلته، لكنها مؤجرة منذ سنوات طويلة لموظف سابق في وزارة المالية، ومع مرور الوقت وانتقال حق الإقامة إلى ابن المستأجر، الموظف في وزارة الإسكان، يشعر البطل بأن القانون لم يعد وسيلة لتحقيق العدالة، بل أصبح غطاءً لاستمرار وضع يراه مجحفاً بحق عائلته.
ومن خلال هذا المسار، يرصد الساطي حالة الإحباط التي قد تنتج عن البيروقراطية والبطالة المقنعة والأنظمة الإدارية المتضخمة، حيث تتراكم لدى الشخصية الرئيسية مشاعر السخط تدريجياً، إلى أن تصل إلى قناعة خطيرة مفادها أن استعادة الحق لا يمكن أن تتم إلا بالقوة.
وتقوده هذه القناعة إلى ارتكاب جريمة قتل مخطط لها بعناية، إذ يستدرج المستأجر إلى سيارته بحجة إيصاله إلى وجهته، قبل أن ينفذ جريمته بعيداً عن الأنظار ويتخلص من الجثة في مكان أعده مسبقاً، وبعد ذلك ينتقل للعيش في الشقة مع زوجته، معتقداً أنه نجح في إنهاء المشكلة التي وقفت في طريق مستقبله.
غير أن الكاتب يحتفظ بأبرز مفارقات القصة حتى اللحظات الأخيرة، فبعد عامين من الاستقرار الظاهري، يتفاجأ بطل القصة بأن زوجته عملت مع أخيها الذي هو موظف في إحدى مؤسسات الدولة بأن يكون البديل من المستأجر المفقود وإخلاء الشقة وتخصيصها له كمساعدة  لتأمين مسكن يقيم فيه، ما صدم الزوج عندما اكتشف أن المستفيد الجديد هو شقيق زوجته نوال، الذي طلب الحصول على الشقة بدعم من شقيقته نظراً لاختفاء المستأجر السابق وعدم ظهور أي أثر له.
وتمنح هذه النهاية القصة قوة خاصة، إذ تكشف عبثية الفعل الذي ارتكبه البطل، وتؤكد أن الجريمة لم تحقق الغاية التي سعى إليها، بل أعادته إلى النقطة نفسها التي حاول الهروب منها، كما توظف القصة المفارقة الساخرة لتبرز كيف يمكن للإنسان أن يتحول من ضحية لواقع مختل إلى صانع لمأساة جديدة.
ويعد عنوان «المتمرد» من أبرز عناصر النص، إذ يوحي منذ البداية بصورة المتمرد الذي يواجه الظلم أو يسعى إلى التغيير، قبل أن يكشف السرد عن نموذج مختلف تماماً، حيث يتحول التمرد إلى فعل إجرامي تغذيه الرغبة في تحقيق مصلحة شخصية.
وبهذا المعنى، ينجح الساطي في قلب توقعات القارئ وتوظيف العنوان كمدخل دلالي ينسجم مع المفارقة التي تقوم عليها القصة بأكملها.
وتقدم قصة «المتمرد» صورة مصغرة لعالم تختلط فيه القوانين بالمصالح والحقوق بالأوهام، لتنتهي برسالة واضحة مفادها أن التمرد حين يتخلى عن ضوابطه الأخلاقية غالباً ما ينقلب على صاحبه، ويقوده إلى خسارة أكبر مما كان يحاول تجنبه.

Leave a Comment
آخر الأخبار