برج صافيتا.. ثمانية قرون من الصمود في وجه الزلازل والحروب

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – رنا الحمدان:

لا يزال برج صافيتا، أحد أبرز المعالم الأثرية في سوريا وتحديداً في الساحل السوري، شامخاً فوق هضبته الصخرية، وبقي صامداً رغم تعاقب الزلازل والحروب على المنطقة طوال أكثر من ثمانية قرون، ليبقى شاهداً على تاريخ طويل من التحولات السياسية والعسكرية. إلا أن زلزال السادس من شباط 2023 أعاد هذا المعلم التاريخي إلى دائرة الاهتمام بعد ظهور أضرار إنشائية محدودة، استدعت إعداد خطة علمية للحفاظ عليه وضمان استمراره للأجيال القادمة.

البرج آمن إنشائياً

وفي تصريح خاص لـ «الحرية»، أكد مدير دائرة آثار طرطوس، عبد الحي المحمد، أن البرج، المسجل على لائحة التراث الوطني منذ عام 2000، لا يزال آمناً من الناحية الإنشائية، موضحاً أن الزلزال أدى إلى توسع بعض الشقوق القديمة وظهور تشققات جديدة في أجزاء محدودة من البناء، شملت الجدران الداخلية للطابق الأرضي المستخدم ككنيسة، وجدار الدرج المؤدي إلى الطابق الأول، إضافة إلى شق في أرضية الطابق الأول نتج عن تخلخل الأتربة الحاملة للمونة، وهبوط في بعض أحجار أحد الأقواس، وتشققات بسيطة عند مرامي السهام، وانزياح أحد أحجار السطح.

مدير دائرة آثار طرطوس: البرج آمن.. وخطة علمية متخصصة لترميمه

تدخلات إسعافية

وأشار المحمد إلى أن دائرة الآثار اتخذت إجراءات احترازية بإغلاق الطابق الأول مؤقتاً أمام الزوار، بالتزامن مع تنفيذ تدخلات إسعافية لتثبيت بعض الأحجار ومراقبة منطقة التكهف في الأرضية بشكل مستمر، مؤكداً أن هذه الإجراءات تهدف إلى الحفاظ على سلامة الزوار والآثار معاً.

وأوضح أن الدائرة أعدت دراسة هندسية متخصصة لتدعيم البرج وإعادة تأهيله وفق المعايير العلمية المعتمدة عالمياً في صيانة المباني الأثرية، مبيناً أن التنفيذ سيتم على مراحل تراعي خصوصية الموقع المشيد فوق هضبة صخرية تتوسط تجمعاً سكانياً، بما يضمن الحفاظ على أصالة البناء وعدم تعريضه لأي مخاطر إضافية.

تاريخ حافل

وعن تاريخ البرج، أوضح أن أول ذكر لاسم صافيتا ورد في المصادر العربية عام 1031م، فيما أصبحت المنطقة خلال القرن الثاني عشر تحت سيطرة الصليبيين ضمن كونتية طرابلس، قبل أن تنتقل إلى فرسان الهيكل الذين عملوا على تطوير القلعة وتعزيز تحصيناتها.

وخلال تلك الفترة تعرضت لعدد من الحملات العسكرية، أبرزها حملات نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، ثم دخلت تحت الحكم المملوكي عام 1271 بقيادة السلطان الظاهر بيبرس.

وأضاف إن البرج استقبل أيضاً الملك الفرنسي لويس التاسع خلال وجوده في الأراضي المقدسة، حيث أمر بتوسعة القلعة وتعزيز دفاعاتها، فيما تشير المصادر إلى استمرار أهميته خلال العهد العثماني، ومن أبرز الشواهد على ذلك زيارة البطريرك مكاريوس الثالث إلى كنيسة البرج عام 1649.

جيولوجيا

وفي الجانب الجيولوجي، بيّن المحمد أن البرج شُيّد فوق قبة بازلتية تغطيها طبقة من الحجر الكلسي، بعد إزالة الطبقات الهشة للوصول إلى قاعدة أكثر صلابة، لافتاً إلى أن الموقع يقع بالقرب من النظام الصدعي في مصياف، المعروف بنشاطه الزلزالي. ولهذا تعرض البرج عبر تاريخه لعدد من الزلازل الكبيرة، كان أبرزها زلزالي عامي 1170 و1202، إضافة إلى زلازل أعوام 1408 و1705 و1759، وصولاً إلى زلزال شباط 2023، لكنه حافظ على بنيته الأساسية بفضل متانة تصميمه وأعمال الصيانة المتواصلة.

ترميمات متعاقبة

وأشار إلى أن البرج خضع لعمليات ترميم متعاقبة منذ فترة الانتداب الفرنسي، شملت إعادة بناء أجزاء من الواجهة الغربية، وتعويض الأحجار المفقودة، ومعالجة الشقوق، واستخدام المشابك المعدنية لتدعيم الواجهات، كما أشرف المهندس الفرنسي بيير كوبيل عام 1938 على أعمال ترميم إضافية، وتواصلت أعمال الصيانة بعد الاستقلال، متضمنة معالجة الجدران والأرضيات وتركيب مانعة صواعق.

وأضاف إن أعمال التنقيب التي نفذتها دائرة الآثار عام 2019 أمام البوابة الشرقية كشفت عن امتداد «التالوس» أسفل الجزء الشمالي من الجدار، مؤكدة صحة المخططات التاريخية وإضافة هذا الجزء في مرحلة لاحقة لتدعيم البوابة ومنع انهيارها.

صعوبات الترميم

وختم المحمد بالتأكيد أن مشروع الترميم يواجه تحديات تتعلق بوقوع البرج وسط منطقة سكنية وعلى هضبة صخرية، ما يتطلب فرقاً متخصصة في ترميم الأبنية الأثرية الحساسة، إضافة إلى محدودية الإمكانات. وشدد على أن الحفاظ على برج صافيتا، الذي تجاوز عمره ثمانية قرون، يمثل مسؤولية وطنية وثقافية، لضمان بقاء أحد أهم الشواهد التاريخية في سورية للأجيال المقبلة.

Leave a Comment
آخر الأخبار