الحرية- إلهام عثمان:
مع التحول اللافت في سلوك المعاملات اليومية في السوق السورية، والذي يتمثل بتوسع اعتماد “التداول النقدي المباشر” (الكاش) وعلى نطاق غير مسبوق، تواجه المصارف العامة والخاصة عزوفاً متصاعداً عن الإيداع.
هذا السلوك، الذي تحول من مجرد عادة إلى نمط هيكلي، يعكس أزمة ثقة عميقة بالنظام المصرفي الرسمي، الأمر الذي يضع المصرف المركزي أمام اختبار حقيقي: هل تُعالج هذه الظاهرة عبر تشديد القيود النقدية، أم إن استعادة التوازن المالي تتطلب إعادة النظر في سياسات إدارة السيولة وكسب ثقة المواطن أولاً؟
ليس وليد اللحظة
في هذا السياق، بين الخبير الاقتصادي مهران عبدون عبر حوار مع “الحرية”، أن هذا التحول ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات سنوات من سياسات نقدية متذبذبة، وتضخم متسارع، وإجراءات عقابية متبادلة بين النظام والمجتمع المالي، منوهاً بأنه حين يتحول “الكاش” إلى وعاء ادخار واحتياطي قيمة، فإن ذلك يعني أن أدوات السياسة النقدية فقدت فاعليتها في ضبط السيولة وتوجيه الائتمان.
بعيداً عن القيود الإدارية
من جهة أخرى، وبعيداً عن القيود الإدارية، يوضح عبدون أن العلاج لا يأتي عبر تضييق الخناق على التداول النقدي، أو فرض قيود على السحب والإيداع، كما جرت العادة في بعض الفترات السابقة، مستشهداً بذلك بعض التجارب العالمية السابقة والتي أثبتت أن القيود الإدارية في بيئة مفقودة الثقة تؤدي إلى مزيد من التهرب والاقتصاد الموازي.
خطوات جريئة
وعن الحلول يمكن أن تكون وفق خطوات واضحة؛ وفق ما أشار إليه عبدون، تبدأ عبر الإفصاح الدوري عن بيانات السيولة الحقيقية والتضخم، وإعادة هيكلة مصرف سوريا المركزي لضمان استقلالية قراراته.
كما يضيف عبدون أن ما نشهده اليوم هو انسحاب تدريجي للمنظومة المصرفية من وظيفتها الطبيعية كوسيط مالي، فنجد أن المواطن يفضل الاحتفاظ بالنقود تحت الوسادة، والسبب أن سعر الفائدة الحقيقي سلبي، ولأنه لا يثق بأن أمواله متاحة عند الطلب.
ولإعادة الثقة وحسب رأي عبدون، يتطلب ذلك خطوات جريئة أولها رفع الغموض عن أوضاع المصارف وميزانياتها، وثانيها وقف سياسة التمويل التضخمي التي أكلت القوة الشرائية، أما بدون ذلك، سنبقى نراوح في حلقة مفرغة: كاش أكثر، تضخم أعمق، وثقة أقل.
ضرورة بقاء
في المحصلة ختم عبدون حديثه بالقول: لا يمكن بناء اقتصاد منتج في ظل نظام نقدي غير نموذجي، لذا فالقرار الرسمي أمام اختبار حقيقي، إما الاستمرار في السياسات النقدية الحالية التي توسع هوة الكاش، أو التحول نحو الشفافية والاستقلالية كركيزة لاستعادة ثقة المتعاملين. والخيار، كما يبدو، لم يعد ترفاً بل ضرورة بقاء.