منحة الـ 200 مليون دولار: محفز اقتصادي لقطاع السكك الحديدية

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – منال الشرع:
تمثل نقطة تحول لقطاع النقل، التي أُعلنتها أمس وزارة النقل السورية بتفعيل منحة بقيمة 200 مليون دولار مخصصة لقطاع السكك الحديدية بين الوزارة والبنك الدولي في إطار الاتفاق الذي أبرم في شباط الماضي ،مايسهم في تسريع عملية التعافي الاقتصادي في سوريا.
وعن  أثرها الفعلي على الاقتصاد، يوضح الخبير الاقتصادي في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر مهند زنبركجي لـ” الحرية “، أن تفعيل منحة بقيمة 200 مليون دولار مخصصة لقطاع السكك الحديدية، يمكن حينها اعتباره تدخلاً مباشراً يهدف إلى معالجة اختناقات هيكلية في قطاع النقل، أكثر من كونه مجرد تحسين تقني محدود، فالمشكلة الأساسية التي تعاني منها السكك الحديدية في العديد من الدول تتمثل في تقادم الأصول وضعف الإنفاق على الصيانة وتراجع الاستثمار في التحديث والتوسعة، وهي عوامل تؤدي مجتمعة إلى انخفاض الكفاءة التشغيلية وارتفاع الكلف غير المباشرة على الاقتصاد، سواء عبر التأخير أو ضعف الاعتمادية.
و إذا ما تم توجيه هذه المنحة ضمن إطار إصلاحي واضح، حسب زنبركجي ، فإنها قد تسهم في رفع الإنتاجية الكلية لقطاع النقل من خلال تحسين جودة الخدمة، وتقليل زمن الرحلات، وزيادة انتظامية التشغيل، هذه التحسينات، تحمل أثراً اقتصادياً مباشراً يتمثل في خفض كلفة التنقل على الأفراد وتقليل كلفة الخدمات اللوجستية على الشركات. مع تحسن مستوى الخدمة، قد يتحول الطلب تدريجياً من النقل الفردي إلى النقل الجماعي، وهو ما ينعكس على تخفيف الضغط على البنية التحتية للطرق وتقليل الهدر الاقتصادي المرتبط بالازدحام.
من جهة أخرى ، يوضح  زنبركجي أن الاستثمار في السكك الحديدية يمتلك أثراً مضاعفاً يتجاوز القطاع نفسه، إذ يمكن أن يعيد تشكيل أنماط النشاط الاقتصادي والعمراني، فالمحطات الرئيسية، عند تطويرها، تتحول إلى مراكز جذب اقتصادي تتركز حولها الأنشطة التجارية والخدمية، ما يعزز كفاءة استخدام الأراضي ويعيد توزيع الكثافة السكانية بطريقة أكثر توازناً، هذا النمط من التنمية يسهم في تقليل التكاليف الحضرية طويلة الأجل ويخلق بيئات أكثر إنتاجية.
ويشير  زنبركجي ، إلى أن للمنحة بعداً لوجستياً واستراتيجياً، خاصة إذا تم ربطها بممرات نقل تخدم حركة البضائع بين الموانئ والمناطق الصناعية، في هذه الحالة، تتحسن كفاءة سلاسل الإمداد وينخفض زمن وتكلفة نقل السلع، ما ينعكس إيجاباً على تنافسية الاقتصاد وقدرته التصديرية، هذا النوع من الاستثمار غالباً ما يكون له تأثير مباشر على الميزان التجاري من خلال تعزيز الصادرات وتقليل كلف الاستيراد المرتبطة بالنقل.
وعلى المستوى الاجتماعي، يتناول  زنبركجي ، كيف يمكن النظر إلى تحسين النقل العام كأداة لرفع كفاءة سوق العمل، إذ يتيح وصولاً أوسع وأقل تكلفة إلى فرص العمل والخدمات، ما يعزز المشاركة الاقتصادية ويقلل من الفجوات بين الفئات المختلفة.

أما المستوى البيئي، فإن التحول الجزئي نحو السكك الحديدية يساهم في تقليل التكاليف الخارجية المرتبطة بالتلوث واستهلاك الوقود، وهي عناصر غالباً ما يتم إهمالها في الحسابات التقليدية لكنها ذات أثر اقتصادي طويل الأمد.
مع ذلك، يلفت زنبركجي الانتباه إلى أن هذه المنحة تبقى محدودة الحجم مقارنة باحتياجات قطاع كثيف رأس المال مثل السكك الحديدية. توجيه الموارد نحو مشاريع ذات عائد اقتصادي مرتفع وقابل للقياس، مثل تحسين الكفاءة التشغيلية وخفض تكاليف الصيانة، سيكون أكثر جدوى من توزيعها على مشاريع توسعية واسعة دون جدوى واضحة، كما إن نجاح هذا الاستثمار يتطلب بيئة مؤسسية قادرة على ضبط التكاليف، منع الهدر وضمان استدامة التشغيل دون الاعتماد المستمر على الدعم الحكومي.
إلا  أنه يمكن اعتبار هذه المنحة أداة تحفيز اقتصادي أكثر من كونها حلاً شاملاً، حيث يكمن تأثيرها الحقيقي في قدرتها على توليد عوائد غير مباشرة عبر تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف على مستوى الاقتصاد ككل. في النهاية، فإن الفارق بين تحقيق عائد اقتصادي ملموس أو الاكتفاء بأثر محدود، لا يرتبط بحجم التمويل بقدر ما يرتبط بجودة الإدارة الاقتصادية، انضباط التنفيذ ووضوح الأولويات الاستثمارية.

Leave a Comment
آخر الأخبار