الحرية– بادية ونوس:
في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه قطاع الزراعة في سوريا، تعود قضية تسعيرة القمح لتلقي بظلالها على المزارعين، الذين يُعتبرون العمود الفقري للأمن الغذائي، فالتسعيرة الأخيرة التي أعلنتها الجهات المعنية أثارت موجة من الجدل، حيث اعتبرها العديد من الفلاحين غير عادلة ولا تعكس واقع التكاليف المتصاعدة التي تكبدوها طوال الموسم. وبينما يبدو أن بعض القائمين على القطاع الزراعي أغفلوا أهمية دور الفلاح كحلقة أساسية في ضمان الأمن الغذائي، تتزايد الأسئلة حول مدى جدوى هذه التسعيرة، وهل تغطي فعلاً تكاليف الإنتاج، أم إن الأزمة أعمق من أن تحلها أرقام لا ترى واقع الحقل؟
منع الاستيراد ضرورة وطنية
يشير الباحث الاقتصادي فاخر القربي إلى أن زراعة القمح بحاجة إلى دعم أكبر، لا سيما في الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد.. فكل مساحة مزروعة، مهما كانت صغيرة، تُعتبر ثمينة، ويجب أن يُرفع سعر القمح ليغطي التكاليف ويؤمن أرباحاً عادلة للفلاح، ما يضمن عدم اللجوء إلى الاستيراد.. فتكاليف الدعم المحلي، كما يوضح القربي، أقل بكثير من فاتورة الاستيراد التي تثقل كاهل الخزينة بالعملات الصعبة.
ويلفت القربي إلى أن القمح السوري يمتاز بجودته العالية وقساوته مقارنة بأنواع القمح الأخرى في العالم، ما يجعل دعم زراعته استثماراً في منتج وطني ذي قيمة مضافة.
تكاليف مرتفعة وتحديات متزايدة
يواجه المزارعون تكاليف كبيرة تتراوح بين البذار والأسمدة، وأسعار متقلبة تتغير باستمرار وفق سعر الصرف.. ووفقاً لما أشار إليه القربي، فإن الدعم الحكومي في تأمين السماد لم يصل إلى معظم الفلاحين، حيث حصلوا على أقل من 10% من حصصهم المخصصة، ما يضعهم في مواجهة صعوبات كبيرة لتأمين بقية مستلزمات إنتاجهم من السوق بأسعار خيالية.
ويقترح الباحث في هذا السياق منح الفلاحين جزءاً من الإنتاج لاستخدامه في استهلاكهم المنزلي، كأحد أشكال الدعم غير المباشر.
القمح دعامة الأمن الغذائي
يؤكد القربي أن دعم زراعة القمح والعمل على استدامتها ليسا خياراً، بل ضرورة وطنية، كون هذا المحصول يمثل الركيزة الحقيقية للأمن الغذائي في سوريا.. فزيادة الدعم تسهم في تلبية احتياجات السكان من الخبز، وتحقيق دخل أفضل للمزارعين، وتعزيز فرص العمل في القطاع الزراعي، ما ينعكس إيجاباً على التنمية الاقتصادية والإيرادات الزراعية للدولة.. فالقمح السوري، بحسب القربي، ليس مجرد محصول موسمي، بل هو قضية أمن قومي بامتياز.
خطوات عملية نحو تطوير زراعة القمح
يؤكد القربي أهمية اتخاذ عدد من الخطوات الجادة لتطوير زراعة القمح وزيادة إنتاجيته، أبرزها:
– دعم مستلزمات الإنتاج: توفير المحروقات (كالمازوت)، والأسمدة، والبذور المحسنة بأسعار مدعومة وثابتة تحمي الفلاح من تقلبات السوق.
– إدارة الموارد المائية: التحول نحو تقنيات ري حديثة (كالري بالتنقيط والرذاذ) في المساحات المروية لترشيد استهلاك المياه الجوفية وتحسين الإنتاج.
– تحديث البنية التحتية: مواصلة إعادة تأهيل صوامع الحبوب ومراكز التجفيف وشبكات النقل لتقليل الفاقد بعد الحصاد.
– تطوير البذار: الاستثمار في البحث الزراعي لإنتاج أصناف قمح سورية محسّنة من حيث الإنتاجية والمقاومة للجفاف والأمراض، واستخدام تقنيات الزراعة الذكية.
– سياسات تسعير محفزة: الإعلان المبكر عن أسعار شراء مجزية قبل بدء الموسم الزراعي لتشجيع الفلاحين على زيادة المساحات المزروعة، والاستقرار النفسي الذي يسبق موسم الحصاد.