الحرية – مها يوسف:
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تنتاب السوريين مشاعر متناقضة تجمع بين فرحة التغيير السياسي والأمل بمرحلة جديدة، وبين قلق اقتصادي متزايد فرضته موجة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية بصورة غير مسبوقة، وفي ظل استمرار الضغوط المعيشية، تبدو الأسواق السورية أقل حيوية مع عجز شريحة واسعة من المواطنين عن تأمين مستلزمات العيد الأساسية.
وفي قراءة للواقع الاقتصادي والمعيشي، يقول أستاذ التجارة الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة حماة الدكتور رياض الأشتر لـ«الحرية»: إن الأزمة الاقتصادية باتت تلقي بثقلها المباشر على حياة السوريين، رغم التغيرات السياسية والتطلعات بتحسن الأوضاع خلال المرحلة المقبلة.
فرحة التغيير وقلق المعيشة
يوضح الدكتور الأشتر أن السوريين ما يزالون يعيشون حالة من الارتياح بعد الخلاص من النظام البائد، باعتبار ذلك بداية لمرحلة جديدة طال انتظارها، إلا أن الأزمة الاقتصادية ما تزال تفرض نفسها بقوة على تفاصيل الحياة اليومية.
ورغم الزيادات المتتالية التي طرأت على رواتب وأجور العاملين في الدولة خلال الفترة الماضية، فإن تلك الزيادات لم تنجح بعد في ردم الفجوة الكبيرة بين دخل المواطن والأسعار المتصاعدة، خاصة مع دخول موسم عيد الأضحى الذي يشهد عادةً ارتفاعاً إضافياً في أسعار المواد الغذائية والألبسة واللحوم ومستلزمات العيد.
ويشير الدكتور الأشتر إلى أن غالبية العائلات السورية باتت تكتفي بشراء الحد الأدنى من احتياجاتها، في وقت تحولت فيه فرحة العيد لدى كثيرين إلى عبء اقتصادي يرهق الأسر التي أنهكتها سنوات الحرب والتضخم والانهيار النقدي.
دور ارتفاع أسعار الطاقة
كما يرى الدكتور الأشتر أن الزيادات المتكررة على حوامل الطاقة لعبت دوراً رئيسياً في موجة الغلاء الحالية، إذ انعكس ارتفاع أسعار الكهرباء والبنزين والمازوت والغاز بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل والتشغيل، ما أدى إلى ارتفاع أسعار معظم السلع والخدمات.
فالقطاع الصناعي يعتمد بصورة أساسية على الطاقة، ومع ارتفاع تكلفتها ارتفعت تكلفة المنتج الوطني، سواء في الصناعات الغذائية أو النسيجية أو الدوائية وغيرها.
كما أدى ارتفاع أسعار المحروقات إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، وهو ما انعكس بدوره على أسعار المواد الأساسية التي يحتاجها المواطن يومياً، ولم يعد تأثير ارتفاع الطاقة مقتصراً على القطاع الصناعي فقط، بل امتد إلى مختلف جوانب الحياة بما في ذلك أجور الخياطة والألبسة والخدمات الأساسية.
تراجع الليرة السورية
ويبين الدكتور الأشتر، أن الليرة السورية شهدت تراجعاً واضحاً أمام الدولار الأمريكي، خلال الفترة الأخيرة نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية المعقدة، يأتي في مقدمتها، استنزاف الحرب للاحتياطيات النقدية من العملات الأجنبية لدى مصرف سورية المركزي، ما قلّص قدرته على التدخل للحفاظ على استقرار سعر الصرف.
ويظهر الانقسام الحاد في سوق الصرف من خلال الفارق الكبير بين السعر الرسمي للدولار، الذي يدور حول 11 ألفاً و300 ليرة سورية، وسعره في السوق الموازية الذي يقترب من 13 ألفاً و900 ليرة، ما يعكس حجم الطلب الكبير على الدولار لتمويل عمليات الاستيراد وتغطية الاحتياجات التجارية.
كما ساهم التضخم المرتفع في فقدان ثقة المواطنين بالعملة المحلية، حيث بات الدولار بالنسبة لكثير من السوريين وسيلة للتحوط وحفظ القيمة، بدلاً من الليرة السورية التي فقدت جزءاً كبيراً من قوتها الشرائية خلال السنوات الماضية.
ويلفت الأشتر إلى أن التطورات الإقليمية لعبت دوراً إضافياً في زيادة الضغوط على الأسواق السورية، ولا سيما التوترات الناتجة عن الحرب الأميركية على إيران وما رافقها من اضطرابات في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة عالمياً وانعكس بصورة مباشرة على الأسعار داخل سوريا.
الاستثمارات الغائبة
ورغم الحديث المتكرر عن دخول استثمارات جديدة إلى سوريا بعد التغيرات السياسية الأخيرة، يوضح الدكتور الأشتر أن المواطن لم يلمس حتى الآن نتائج حقيقية على أرض الواقع، خاصة أن القسم الأكبر من تلك الاستثمارات اتجه نحو القطاع العقاري.
ويشير إلى أن الاقتصاد السوري يحتاج بصورة ملحة إلى استثمارات إنتاجية في القطاعين الزراعي والصناعي، ولا سيما الصناعات الصغيرة والمتوسطة القادرة على خلق فرص عمل وزيادة الإنتاج وتحريك السوق.
النفط والعقوبات
ويبين الأشتر أن عودة عدد من حقول النفط إلى سيطرة الدولة السورية تمثل خطوة مهمة، إلا أن هذا القطاع يحتاج إلى وقت طويل حتى يستعيد قدرته الإنتاجية الكاملة بسبب الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية خلال سنوات الحرب.
كما يعتبر أن رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية والأوروبية عن سوريا، إضافة إلى عودة البلاد إلى نظام «سويفت» المالي العالمي، يشكلان تطوراً مهماً على طريق التعافي الاقتصادي، إلا أن نتائج هذه الإجراءات لن تكون فورية، بل تحتاج إلى وقت حتى تنعكس على حياة المواطنين والأسواق المحلية.
ويشير إلى أن الاقتصاد السوري يعاني اختلالات عميقة تراكمت على مدى سنوات طويلة، ولا يمكن معالجتها خلال فترة قصيرة، خاصة في ظل ضعف الإنتاج المحلي واتساع الفجوة بين الاستيراد والتصدير.
الرسوم الجمركية والاستيراد
كذلك أثار القرار الأخير المتعلق بجدول التعرفة المنسقة جدلاً اقتصادياً واسعاً، فعلى الرغم من أن تخفيض الضرائب على بعض المواد الغذائية يهدف إلى تخفيف العبء عن المواطنين، إلا أنه قد يؤدي في المقابل إلى زيادة المستوردات، ما يعني ارتفاع الطلب على الدولار وبالتالي زيادة الضغط على سعر صرف الليرة السورية.
وفي المقابل، أدى رفع الرسوم الجمركية على بعض السلع التي لها بديل محلي إلى زيادة تكاليف المنتج الوطني وارتفاع أسعاره، وهو ما انعكس سلباً على المستهلك.
وتشير التقديرات الاقتصادية، بحسب الدكتور الأشتر، إلى أن قيمة المستوردات السورية خلال العام الماضي بلغت نحو 7.8 مليارات دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز مليار دولار، ما خلق عجزاً تجارياً كبيراً شكل ضغطاً مباشراً على قيمة الليرة السورية وأسهم في تراجعها أمام العملات الأجنبية.
ما المطلوب اقتصادياً؟
ويرى الدكتور الأشتر أن السوريين يتطلعون اليوم بعد التحرير إلى واقع اقتصادي ومعيشي أفضل، وهو ما يضع الحكومة أمام مسؤوليات كبيرة تتطلب خطوات جادة وسريعة لمعالجة الأزمة الاقتصادية.
ويشدد على ضرورة وضع خطة اقتصادية متكاملة من خلال تشكيل فريق من الخبراء وأصحاب الاختصاص لإعداد مشروع إصلاح اقتصادي شامل يعالج الاختلالات البنيوية في الاقتصاد السوري.
وفي الوقت ذاته، يشدد على أهمية الاستمرار في رفع دخل المواطن السوري، لأن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل أيضاً في الانخفاض الحاد للقوة الشرائية.
التركة الثقيلة والأمل
ويخلص الدكتور الأشتر إلى أن السوريين يدركون حجم التركة الثقيلة التي خلفها النظام البائد، وحجم الدمار الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن سنوات الحرب، إلا أن الثقة بالإدارة الجديدة والتفاف السوريين حول مشروع بناء الدولة يمثلان عاملاً مهماً لتجاوز المرحلة الصعبة.
ويعتبر أن التحديات كبيرة، لكن التعاون بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص، إلى جانب تبني سياسات اقتصادية واقعية تقوم على دعم الإنتاج وتحفيز الاستثمار الحقيقي وتحسين مستوى معيشة المواطنين، يمكن أن يضع سوريا على طريق التعافي التدريجي واستعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.