الحرية – وداد محفوض:
يكشف الاغتراب عن وجوه متعددة لتجربة عاشها آلاف الشباب الذين غادروا أوطانهم سعياً إلى الدراسة أو العمل، فلم تكن الهجرة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل شكّلت محطة مفصلية أعادت صياغة شخصياتهم واختبرت قدرتهم على التكيف وتحمل المسؤولية. وبين النجاحات التي حققوها في الخارج والحنين الذي لازمهم إلى الأهل والوطن، برزت قصص إنسانية عكست حجم التحديات التي رافقت تلك الرحلة..
الغربة.. مسؤولية ونضج
بيّن الدكتور أحمد سليمان أنه غادر وطنه متوجهاً إلى ألمانيا لاستكمال دراسته، حاملاً معه أحلامه وتطلعاته، مشيراً إلى أنه في بداية رحلته واجه صعوبات عديدة، أبرزها التأقلم مع مجتمع جديد، كما عاش شعوراً قاسياً بالوحدة والاشتياق إلى أسرته.
ولفت إلى أنه مع مرور الوقت، تمكن من بناء مسيرته العلمية والعملية، واكتسب مهارات جديدة عززت ثقته بنفسه واعتماده على ذاته، ورغم ما حققه، بقي الحنين إلى عائلته حاضراً في تفاصيل حياته اليومية، مؤكداً أن الغربة منحته الكثير من الخبرات، لكنها جعلته أكثر تمسكاً بوطنه.
أما الطالبة سارة عثمان فأشارت إلى أنها سافرت إلى إيطاليا بعد حصولها على منحة دراسية، وخاضت تجربة مختلفة فرضت عليها تحمل مسؤولياتها بعيداً عن أسرتها، واكتسبت خلال سنوات الدراسة خبرات علمية وإنسانية واسعة، إلا أنها افتقدت دفء العائلة، ولاسيما في المناسبات والأعياد. وأكدت عثمان أن الغربة أسهمت في بناء شخصيتها، وعززت قدرتها على اتخاذ القرار، لكنها زادت في الوقت نفسه من شعورها بقيمة الأسرة والوطن، ورسخت لديها الرغبة في العودة بخبراتها لخدمة مجتمعها.
الغربة مختبر لبناء الشخصية
ورأت الدكتورة لميس عبد الرزاق، من كلية التربية بجامعة طرطوس، في تصريح لـ«الحرية»، أن هجرة الأبناء لم تعد مجرد انتقال جغرافي أو سعي وراء الرزق، بل أصبحت قضية إنسانية واجتماعية حملت أبعاداً نفسية وتربوية متداخلة. وأكدت أن الغربة مثلت مختبراً حقيقياً لاختبار ما غرسته الأسرة في أبنائها، إذ أسهمت في تنمية الاستقلالية، وعززت القدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، بالتزامن مع السعي نحو التحصيل العلمي والنجاح المهني.
وأشارت الدكتورة عبد الرزاق إلى أن هذه التجربة فرضت على الشباب ضغوطاً نفسية كبيرة، كان أبرزها الشعور بالحنين إلى الأهل والوطن، وما رافقه أحياناً من إحساس بالتقصير تجاه الوالدين. وأضافت إن الهجرة أفرزت ما أسمته «الأسرة العابرة للحدود»، بعد أن حل التواصل الافتراضي محل اللقاءات اليومية، مبينة أن الحنين قد تحول إلى قوة دافعة للإنجاز إذا أُحسن توجيهه، وقد أصبح عبئاً نفسياً إذا سيطر على الإنسان وأعاق اندماجه في المجتمع الجديد.
وشددت الدكتورة عبد الرزاق على أن نجاح تجربة الاغتراب ارتبط بقدرة الشاب على تحقيق التوازن بين الحفاظ على هويته الوطنية والانفتاح على الثقافات الأخرى، بما جعله قادراً على النمو دون أن يفقد انتماءه.
الوطن في الوجدان
واختتمت حديثها بأن تجارب الشباب أثبتت أن الغربة لم تكن طريقاً سهلاً، بل تجربة حملت كثيراً من التحديات والدروس، وبين النجاح والاشتياق، بقي الانتماء إلى الوطن حاضراً في وجدانهم، لافتة إلى أن تلك التجارب أكدت أن قيمة الهجرة لم تقس بما حققته من مكاسب مادية أو علمية فحسب، بل بما تركته من أثر في بناء الشخصية، وتعزيز المسؤولية، والحفاظ على الجذور رغم اتساع المسافات.