الاقتصاد السوري بين الاستقرار والركود… لماذا لا يتحول إلى نمو حقيقي؟

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية – نهلة أبو تك:

رغم المؤشرات التي تعكس حالة من الاستقرار الاقتصادي في سوريا خلال الفترة الأخيرة، لا يزال الاقتصاد عاجزاً عن الانتقال إلى مرحلة النمو الاقتصادي الحقيقي، في ظل استمرار الفجوة بين التحسن الظرفي في بعض المؤشرات وبين غياب التحول البنيوي في بنية الإنتاج.
فبعد سنوات من التحديات الاقتصادية، دخل الاقتصاد السوري مرحلة توصف بـ”الاستقرار النسبي”، والذي انعكس في تحسن محدود في بعض المؤشرات النقدية، وتراجع نسبي في حدة التذبذبات، إلى جانب عودة تدريجية لبعض الأنشطة التجارية والصناعية. إلا أن هذا الاستقرار لم يتحول حتى الآن إلى تعافٍ اقتصادي مستدام أو توسع في القاعدة الإنتاجية.
هذا الواقع يطرح سؤالاً محورياً في النقاش الاقتصادي لماذا لا يتحول الاستقرار إلى نمو فعلي؟

استقرار اقتصادي بلا نمو… أين تكمن المشكلة؟

في قراءة تحليلية للمشهد، يوضح الخبير الاقتصادي محمد المريجاوي أن ما يشهده الاقتصاد السوري لا يمكن اعتباره مرحلة نمو، بل هو “استقرار هش” لا يستند إلى قاعدة إنتاجية قوية.
ويشير المريجاوي إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب الموارد، بل في ضعف التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي القادر على تحويل الإمكانات المتاحة إلى قيمة إنتاجية حقيقية ضمن مختلف القطاعات.
ويؤكد أن الاقتصادات لا تنمو بمجرد الاستقرار، بل عبر القدرة على تحويل هذا الاستقرار إلى استثمار فعلي في القطاعات الإنتاجية في سوريا، وعلى رأسها الصناعة والزراعة والخدمات.

القطاع الصناعي السوري تحت ضغط التكاليف

يواجه القطاع الصناعي السوري تحديات متراكمة تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة تأمين مستلزمات التشغيل، إلى جانب ضعف القدرة التنافسية في الأسواق المحلية والخارجية.
هذه العوامل أدت إلى عمل العديد من المنشآت الصناعية بأقل من طاقتها الإنتاجية، ما انعكس بشكل مباشر على حجم النمو في الاقتصاد السوري، وأبطأ عملية التعافي الاقتصادي.
كما إن ضعف الربط بين الإنتاج وسلاسل التوريد والتصدير جعل من الصعب تحقيق قيمة مضافة حقيقية تدعم التنمية الاقتصادية المستدامة في سوريا.

الزراعة والأمن الغذائي في سوريا

لا يقل الوضع في القطاع الزراعي في سوريا تعقيداً، إذ يواجه تحديات تتعلق بتكاليف الإنتاج، والري، والنقل، ما أثر على قدرته في دعم الأمن الغذائي في سوريا.
ورغم أهمية القطاع الزراعي كأحد أعمدة الاقتصاد الوطني، إلا أن مساهمته في تحقيق النمو الاقتصادي في سوريا لا تزال محدودة نتيجة غياب الدعم الموجه والسياسات الإنتاجية طويلة الأمد.

الأثر على الحياة المعيشية للمواطن

لا ينعكس غياب النمو الحقيقي على المؤشرات الاقتصادية فقط، بل يمتد مباشرة إلى حياة المواطنين، حيث يظل تحسن الدخل محدوداً، وفرص العمل غير مستقرة، في ظل غياب توسع فعلي في سوق العمل.
وهذا يعكس أن حالة الاستقرار الاقتصادي في سوريا لم تصل بعد إلى مستوى يلمسه المواطن بشكل مباشر في معيشته اليومية.

من إدارة الأزمة إلى التخطيط الاستراتيجي

يشدد الخبير الاقتصادي محمد المريجاوي على أن الانتقال من مرحلة الاستقرار إلى النمو الاقتصادي المستدام في سوريا يتطلب إعادة بناء السياسات الاقتصادية في سوريا على أسس استراتيجية واضحة.
ويؤكد أن المطلوب ليس إدارة الواقع فقط، بل وضع رؤية طويلة الأمد تقوم على:

  • دعم القطاعات الإنتاجية
  • تعزيز الاستثمار في سوريا
  • تحسين البيئة الاستثمارية
  • ربط الإنتاج بالتصدير وسوق العمل

كما يشير إلى أهمية التركيز على إعادة الإعمار الاقتصادي بشكل غير مباشر عبر تحفيز الإنتاج بدل الاقتصار على المعالجات المؤقتة.

التحدي الحقيقي إدارة الموارد لا توفرها

في المحصلة، لا يعاني الاقتصاد السوري من نقص في الموارد بقدر ما يعاني من ضعف في إدارة هذه الموارد وتوجيهها ضمن استراتيجية واضحة.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين اقتصاد يكتفي بحالة استقرار اقتصادي مؤقت، واقتصاد قادر على التحول إلى نمو اقتصادي حقيقي ومستدام.
فالمعادلة اليوم لم تعد مرتبطة بما هو متاح فقط، بل بكيفية استثماره ضمن رؤية اقتصادية متكاملة قادرة على إعادة تشكيل مستقبل الاقتصاد السوري.

Leave a Comment
آخر الأخبار