المياه في صلب الأولويات.. هندسة زراعية جديدة مع دول الجوار قائمة على التكامل 

مدة القراءة 9 دقيقة/دقائق

الحرية_ رشا عيسى :

يبرز التعاون الزراعي بين سوريا والمملكة الأردنية الهاشمية كمحاولة لإعادة ترتيب العلاقة الاقتصادية من زاوية أكثر واقعية، حيث تتحول الحدود من مجرد معبر للسلع إلى مساحة لتقاسم الموارد وتنظيم استخدامها.

وبين وفرة نسبية في بعض المحاصيل داخل سوريا، وخبرة أردنية متقدمة في إدارة المياه والزراعة الخاصة بها، يطرح هذا التعاون نفسه كصيغة لتبادل المنافع، شرط أن يُدار ضمن قواعد واضحة تضمن العدالة والاستدامة معاً.

ويفرض ملف المياه نفسه على مسار التقارب الزراعي بين دمشق وعمان، كعامل حاسم لا يقل أهمية عن تبادل السلع أو فتح الأسواق، بل يشكل في كثير من الأحيان السقف الذي يحدد حدود هذا التعاون وإمكاناته. ففي ظل شح الموارد المائية في المنطقة، يصبح أي حديث عن تكامل زراعي مرتبطاً حكماً بإدارة مشتركة وحذرة للمياه، تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل وتوازن المصالح، بحيث لا يتحول الانفتاح التجاري إلى استنزاف صامت للموارد الطبيعية.

وبينما تتقاطع التحديات الاقتصادية مع الحاجة المتزايدة للأمن الغذائي، يحتل هذا الملف موقعاً متقدماً بين الجانبين بوصفه أحد أكثر القطاعات قابلية لإعادة بناء الثقة الاقتصادية بين البلدين.

هذا التقارب، الذي برز خلال نقاشات قادها وزير الزراعة الدكتور أمجد بدر مع رئيس غرفة تجارة الأردن خليل الحاج توفيق، وبحضور السفير الأردني في دمشق سفيان القضاة.

أكد بدر الحرص على تطوير علاقات متينة مع دول الجوار وإزالة العوائق أمام التبادل التجاري، بما يسهم في تحقيق التكامل ودعم الأمن الغذائي، مشيراً إلى التحضير لتوقيع مذكرة تفاهم شاملة للقطاع الزراعي، وتشكيل لجان فنية مشتركة لدراسة التفاصيل ووضعها موضع التنفيذ.

إعادة تعريف

رئيس غرفة زراعة دمشق وريفها محمد إبراهيم جنن أكد لـ” الحرية”أن ما يتم حالياً ليس مجرد حديث عن تبادل سلع، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف العلاقة الزراعية بين بلدين تربطهما الجغرافيا وتفصل بينهما سنوات من الانقطاع التجاري.

ويصف جنن المرحلة بأنها انتقال من “التجارة التقليدية” إلى “هندسة تكامل زراعي”، تقوم على توزيع الأدوار بدل التنافس، وعلى استثمار المزايا النسبية بدل تكرار الإنتاج.

جغرافيا الاقتصاد المشترك

تبدو الحدود السورية–الأردنية، الممتدة لنحو 400 كيلومتر، أشبه بخريطة اقتصادية غير مستغلة بالكامل. فمن البادية السورية الجافة إلى حوض اليرموك المشترك، تتشكل بيئات إنتاج متباينة لكنها متكاملة.

في هذا السياق، يشير استشاري إدارة الموارد الطبيعية الدكتور موفق الشيخ علي لـ”الحرية” إلى أن سوريا تمتلك ميزة المساحات الزراعية الواسعة، خصوصاً في البادية وسهل حوران، حيث يمكن تطوير إنتاج الثروة الحيوانية، ولا سيما الأغنام.

في المقابل، يتميز الأردن بمنطقة الأغوار، التي تمثل نموذجاً متقدماً في الزراعة الباكورية والإنتاج المستمر للخضروات، ما يمنحه قدرة على سد فجوات السوق في فترات نقص الإنتاج السوري.

هذا التباين الجغرافي، بحسب الشيخ علي، لا يمثل فجوة بل “فرصة تكامل طبيعي” إذا أُدير بشكل علمي يأخذ بعين الاعتبار الموارد المائية والبصمة البيئية لكل محصول.

سلة تبادل جديدة

من جهته، التصور الذي يطرحه جنن يتجاوز فكرة التبادل الزراعي التقليدي إلى سلة أوسع من السلع.

فمن سوريا، يمكن أن تتدفق إلى السوق الأردنية منتجات مثل البقوليات، الحمضيات، الفستق الحلبي، الزيتون، الفواكه الموسمية، إضافة إلى اللحوم الحمراء والضأن الحي، وهي منتجات يرى أنها قادرة على تعزيز استقرار الأسعار في الأردن.

في المقابل، يقدم الأردن خبراته في الزراعة الحديثة والخضروات الباكورية، إلى جانب مواد بناء أساسية مثل الإسمنت والحديد والخشب، وهي مدخلات ضرورية لإعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية السورية.

لكن الأهم، بحسب جنن، ليس فقط ما يتم تبادله، بل “كيف يتم تنظيم هذا التبادل”، وهنا تبرز فكرة الروزنامة الزراعية المشتركة كأداة لضبط الإيقاع الموسمي للأسواق ومنع الصدمات السعرية.

بين الاستقرار والضغط السعري

يبدو تأثير هذا التقارب مزدوجاً على الأسواق. فزيادة تدفق السلع قد تؤدي إلى خفض الأسعار نتيجة ارتفاع العرض، لكنها في المقابل قد توجد ضغوطاً على المنتج المحلي إذا لم يتم تنظيمها.

ويشرح جنن أن غياب التخطيط الموسمي قد يؤدي إلى فوضى سعرية، بينما يمكن للروزنامة الزراعية أن تحول التبادل التجاري إلى عملية “تنظيم لا إغراق”، بحيث يُحافظ على توازن السوق دون الإضرار بالمزارعين.

الإطار المؤسسي

في السياق ذاته، يطرح جنن أهمية تطوير إطار مؤسسي أعلى يتمثل في مجلس التنسيق الأعلى السوري–الأردني، باعتباره المرجعية القادرة على إعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

ويقترح أن يتم عبر هذا المجلس توقيع مذكرة تفاهم زراعية شاملة بين وزارتي الزراعة في البلدين، تتولى تفعيل الاتفاقيات السابقة،وتحديثها وفق المتغيرات الحالية،ووضع آليات تنفيذ واضحة،ومعالجة الإشكالات التنظيمية القائمة.

من الاعتماد إلى المرونة

من جهته يرى الباحث في شؤون إدارة الأعمال والسياسة الدكتور نصر العمر أن هذا التعاون لا يتعلق فقط بالتجارة، بل بإعادة بناء مفهوم الأمن الغذائي في البلدين.

فبدل الاعتماد على أسواق بعيدة، يتيح التكامل السوري–الأردني تقليل مخاطر انقطاع الإمدادات،وتنويع مصادر الغذاء،وخفض تكاليف النقل، وإيجاد شبكة تبادل إقليمية أكثر مرونة.

ويضيف لـ”الحرية” أن القرب الجغرافي بين البلدين يمنح هذا التعاون ميزة استراتيجية، إذ يمكن أن يتحول الأردن إلى بوابة عبور للمنتجات السورية نحو الأسواق الخليجية، ما يوسع نطاق التأثير الاقتصادي لهذا التكامل.

القيمة التي تضيع في الحقول

من الزوايا التي يركز عليها الدكتور الشيخ علي أهمية التصنيع الزراعي كمرحلة حاسمة في سلسلة الإنتاج.

فبدل تصدير المواد الخام، يمكن تحويلها إلى منتجات ذات قيمة أعلى مثل العصائر ومعجون الطماطم والمنتجات المجففة، وهو ما يرفع العائد الاقتصادي ويقلل الضغط على الموارد الطبيعية.

ويحذر الشيخ علي من أن تجاهل هذا المسار يعني استمرار استنزاف المياه والتربة دون مردود اقتصادي متناسب، خصوصاً في ظل ما يعرف بـ“البصمة المائية” للمحاصيل الزراعية.

اللاعب الأكثر حسماً

يبقى القطاع الخاص المحرك الفعلي لأي تكامل زراعي مستقبلي، فبحسب جنن، فإن المزارع والمستثمر والشركات الغذائية هم من سيحولون الاتفاقات إلى واقع، عبر مشاريع في تربية المواشي، وإنتاج الأعلاف،والتصنيع الغذائي،والتخزين والنقل المبرد.

أما الدكتور العمر فيرى أن نجاح هذا المسار يتطلب إشراك القطاع الخاص بشكل مباشر في اللجان الفنية، وليس فقط كمستفيد لاحق، بل كشريك في صياغة السياسات.

كيف يستفيد القطاع الخاص؟

يؤكد الدكتور الشيخ علي أن مفهوم القطاع الخاص يبدأ من عند المزارع ومربي الأغنام أما إذا كان هنا المقصود القطاع الخاص الصناعي والتجاري فبالتأكيد هو أحد أهم الفاعلين ومن حقه أن يكون أحد المستفيدين.

إن إدخال مفاهيم العمل الاستثماري في القطاع الزراعي وبالتالي التحول من مرحلة الإنتاج الفردي على مستوى المزارع إلى مرحلة الإنتاج التعاوني أو التشاركي سينعكس إيجاباً على كل أصحاب المصلحة وهنا يأتي دور الدولة بصفتها الجهة الوصائية على الجميع بمفهوم الإدارة وتأمين الحقوق والواجبات، وهذا الدور يتجلى بوجود قوانين ناظمة للعمل التشاركي الزراعي الصناعي مع حوكمة واضحة للجميع المساواة بالعدالة.

واقع لا يمكن تجاهله

رغم الطموح الكبير، يبرز عدد من التحديات التي لا يمكن تجاوزها بسهولة.

في سوريا، تتمثل أبرزها في،الجفاف وتراجع الموارد المائية،وضعف البنية التحتية الزراعية، ونقص اللقاحات والخدمات البيطرية.

أما على المستوى الإقليمي، تبرز تعقيدات الإجراءات الجمركية،وغياب وضوح آليات العبور،وتفاوت الميزان التجاري بين البلدين.

ويؤكد الدكتور الشيخ علي أن أي توسع إنتاجي يجب أن يراعي حدود الموارد المائية، خصوصاً في حوض اليرموك، لتجنب تحويل التعاون إلى ضغط بيئي غير مستدام.

انتقال إلى التكامل

يتجاوز التعاون الزراعي السوري–الأردني حدود المشروع الاقتصادي، ليصل إلى إعادة بناء نموذج تكامل إقليمي يقوم على الجغرافيا المشتركة والمصالح المتبادلة.

ويُجمع جنن والدكتور الشيخ علي والدكتور العمر على أن الفرصة متاحة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لكن تحويلها إلى واقع يتطلب ما هو أبعد من الاتفاقات وهو إدارة دقيقة، تنسيق مؤسسي، وإرادة تنفيذية قادرة على ترجمة الرؤية إلى نتائج ملموسة على الأرض.

بين الحقول السورية وسهول الأغوار الأردنية، يبدو أن الطريق إلى التكامل الزراعي قد بدأ، لكن نجاحه سيُقاس بقدرة الأسواق والمزارعين على الشعور بتأثيره الحقيقي.

Leave a Comment
آخر الأخبار