الحرية – حسن العجيلي :
أدت التحولات الاقتصادية عالمياً إلى تغيير سياسة المصارف وعدم اعتمادها فقط على مصادر دخلها التقليدية بوصفها ضمانة للاستقرار المالي، بل اتجهت نحو إعادة صياغة نماذج أعمالها سعياً لتعزيز قدرتها على الصمود أمام الأزمات المتلاحقة.
وفي الوقت الذي يبدو فيه هذا التحول خياراً استراتيجياً في العديد من الاقتصادات يكتسب أبعاداً أكثر تعقيداً في سوريا، حيث يواجه القطاع المصرفي واقعاً استثنائياً فرضته سنوات الحرب والعقوبات والتقلبات الاقتصادية الحادة، وفي ظل بيئة مالية تتسم بندرة السيولة وضعف النشاط الائتماني وتراجع الاستثمار تجد المصارف السورية نفسها أمام معادلة صعبة، كيف يمكن تنويع مصادر الدخل في وقت تتقلص فيه الأدوات المتاحة للنمو؟ فبين الحاجة الملحة إلى البحث عن إيرادات بديلة وبين الحفاظ على الكفاءة التشغيلية والاستقرار المالي يتشكل تحدياً مركزياً يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل العمل المصرفي في البلاد.
تحولات مصرفية عالمية
يوضح الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب الدكتور محمد ناولو لـ “الحرية” أن الأنظمة المصرفية تشهد على مستوى العالم تحولات استراتيجية متسارعة باتجاه تنويع مصادر الدخل، في محاولة لتعزيز المرونة المالية ومواجهة التقلبات الاقتصادية المتزايدة، مضيفاً أنه في هذا الإطار يبرز القطاع المصرفي السوري بوصفه حالة خاصة يواجه ضغوطاً استثنائية تجعل من مسألة التنويع إشكالية مركبة تتسم بالإلحاح والتعقيد في آن معاً.
تراجع الائتمان وقيود هيكلية عميقة
يتابع الدكتور ناولو: إن سنوات الحرب والعقوبات الدولية انعكست بشكل مباشر على أداء المصارف السورية، حيث أدت إلى تقلص حجم الائتمان الممنوح بشكل ملحوظ، في الوقت الذي يرزح فيه القطاع المصرفي تحت وطأة قيود هيكلية عميقة ، من أبرزها الشح الحاد في السيولة وتراجع البنية التحتية التكنولوجية وهجرة الكفاءات البشرية إلى جانب هشاشة البيئة الاقتصادية العامة، فإن هذه العوامل مجتمعة حدت من قدرة المصارف على التوسع في استثمارات جديدة أو تطوير قنوات دخل بديلة بفعالية.
إشكالية التنويع بين الفرصة والمخاطرة
ويشير الدكتور ناولو إلى أنه في ضوء هذه المعطيات تتجلى الإشكالية الأساسية في التناقض القائم بين السعي إلى تنويع مصادر الدخل المصرفي وبين تحقيق الكفاءة التشغيلية والمالية، فبينما تدفع الظروف الاقتصادية الصعبة المصارف إلى البحث عن مصادر دخل غير تقليدية كتعزيز العمولات وتوسيع الخدمات الإلكترونية والدخول في مجالات استثمارية مختلفة يبقى الأثر الفعلي لهذا التنويع على مؤشرات الكفاءة غير واضح المعالم خاصة في ظل غياب الأدلة الكافية التي تحدد طبيعة هذه العلاقة واتجاهها ضمن السياق السوري.
تحولات في هيكل الدخل المصرفي
ويؤكد الدكتور ناولو أنه وبحسب دراسة أجراها مؤخراً حول تحليل واقع هيكل مصادر الدخل في المصارف السورية، واستكشاف انعكاساته على الكفاءة المالية والتشغيلية، وقياس درجة تنوع مصادر الدخل في المصارف التجارية السورية، وتحليل أثر هذا التنوع على مؤشرات الكفاءة المالية، إضافة إلى دراسة تأثيره على الكفاءة التشغيلية ضمن عينة الدراسة، فإن النتائج أشارت إلى أن الدخل المصرفي خلال عامي 2018 و2019 كان يتركز بشكل كبير على إيرادات الفوائد مقارنة ببقية المصادر، في حين شهدت الفترة الممتدة من عام 2020 وحتى نهاية الدراسة ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة الدخل من غير الفوائد، كما أظهرت النتائج عدم وجود فروقات ذات دلالة إحصائية بين المصارف التجارية في ما يتعلق بمصادر الدخل، في المقابل ثبت وجود أثر ذي دلالة إحصائية لتنوع الدخل المصرفي على الكفاءة المالية للمصارف محل الدراسة.
التسهيلات الائتمانية ودعم إعادة الإعمار
وفيما يتعلق بالتوصيات يؤكد الدكتور ناولو على أهمية تعزيز استقرار وسلامة النظام المصرفي السوري، باعتباره ركيزة أساسية للحياة الاقتصادية، مع التركيز على ضرورة تطوير هيكل مصادر الدخل بما ينعكس إيجاباً على الكفاءة المالية والتشغيلية، من خلال التوسع في الخدمات المصرفية وابتكار منتجات جديدة تلبي احتياجات السوق المحلية، داعياً إلى العمل الجاد على تنويع مصادر الدخل بشكل فعلي، وعدم الاكتفاء بالأنماط التقليدية خاصة في ظل التراجع الكبير في دخل الفوائد.
وفي هذا السياق يرى الدكتور ناولو أن زيادة حجم التسهيلات الائتمانية المباشرة تمثل خطوة ضرورية لدعم تمويل عملية إعادة الإعمار، وتعزيز صافي إيرادات الفوائد بوصفها المصدر الرئيسي للدخل المصرفي.
تقييم أكثر واقعية للأداء المصرفي
ويختتم ناولو بالتأكيد على أهمية استبعاد أرباح إعادة تقييم القطع البنيوي من ضمن مصادر الدخل عند تقييم الأداء المصرفي، لضمان الوصول إلى مؤشرات أكثر دقة وموضوعية تعكس الواقع الحقيقي لكفاءة المصارف العاملة في سوريا.