رواد الأعمال السوريون.. «التدمير الخلاق» طريق ازدهار الاقتصاد الجديد

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – إلهام عثمان:

وحدها العواصف تصنع الربابنة، فبين خوفنا على ما نعرفه، ويقيننا بأن الجديد لا يولد إلا من رحم القديم المتهالك، يقف الاقتصاد السوري الجديد اليوم في قلب عاصفة التغيير الإيجابي، فبوجود رواد الأعمال الشباب، وتعاظم دورهم، وتسارع مشاريعهم، سيكونون هم من يحولون «التدمير» من كابوس يخيف إلى طاقة خَلاقة تدفع الاقتصاد الوليد بقوة نحو النور، حيث الازدهار ليس حلماً، بل ابن العاصفة الشرعي.
ففي خضم التحول نحو اقتصاد السوق الحر، يطرح السؤال الملح نفسه: كيف يمكننا أن نحصد ثمار التجديد دون أن ندفع ثمن تدمير ما تبقى من بنى اقتصادية تقليدية؟ 

– خربوطلي: رائد الأعمال الذي ينشئ شركة جديدة مبتكرة هو المحرك الأول للنمو الاقتصادي على المدى الطويل

جوهر النمو الاقتصادي

في حديث خاص على هامش أعمال المؤتمر الأول لريادة الأعمال، الذي انعقد مؤخراً بتعاون مشترك بين الغرفة الفتية وغرفة تجارة دمشق، وقف مدير عام غرفة تجارة دمشق، الدكتور عامر خربوطلي، كصاحب رؤية، لا كمصدر عابر للأخبار، ليوضح أن الريادة ليست رفاهية فكرية، بل هي جوهر خلق النمو الاقتصادي ومضاعفة القيم المضافة للتراكم الرأسمالي، وهو ما يشكل – وفق رؤيته – الأساس الحقيقي لتنامي الناتج المحلي الإجمالي وتنشيط الاقتصاد بسرعات فائقة.
وبيّن أن نظريته تستند إلى إرث الاقتصادي النمساوي الكبير جوزيف شومبيتر، الذي بنى أواخر خمسينيات القرن الماضي نظرية متكاملة في ريادة الأعمال، مؤكداً أن رائد الأعمال الذي ينشئ شركة جديدة مبتكرة هو المحرك الأول للنمو الاقتصادي على المدى الطويل، لأنه يحول دون دخول الاقتصاد في نفق الركود، وتراجع الأعمال، وانخفاض الاستهلاك.
وأشار خربوطلي إلى أن جوهر نظرية شومبيتر يكمن في مفهوم شهير عنوانه «التدمير الخلاق»، وهو ليس مجرد مصطلح أكاديمي، بل يصف الجوهر الحقيقي للرأسمالية كعاصفة من التغيير لا تعرف الثبات أبداً، وأن التقدم الاقتصادي يحدث من خلال عملية متناقضة تماماً: الابتكار يُحدث ثروة جديدة بينما يدمر القديم في الوقت نفسه.

صدمة قادمة من الداخل

أضاف خربوطلي شارحاً: يعتقد شومبيتر أن الركود هو الموت بالنسبة للرأسمالية أو لنظام الاقتصاد الحر، فالمحرك الحقيقي للنمو ليس مجرد تحسين الأسعار، بل الصدمات الكبرى القادمة من الداخل، واستشهد الخبير بأمثلة حية، مثل الانتقال من الهاتف الثابت إلى الهواتف الذكية، وخط التجميع الذي قضى على الحرف اليدوية، والتسوق عبر الإنترنت الذي قلص المتاجر التقليدية، ونموذج الاقتصاد التشاركي، كما أضاف: الشركات الجديدة لا تظهر بجانب القديمة فحسب، بل تمتصها أو تقضي عليها.

سيف ذو حدين

أما الجانب المثير للقلق، وفق ما أوضحه خربوطلي، فهو أن هذه العملية تحمل سيفاً ذا حدين. فالجانب المظلم الذي أطلق عليه شومبيتر صفة «التدمير» يتمثل في إغلاق المصانع، وفقدان الوظائف التقليدية، وخروج الشركات العملاقة من السوق.
أما في الجانب المشرق الذي سماه «الخلق» يحدث من خلال ظهور منتجات أرخص وأفضل وأكثر ابتكاراً وتقانة، ووظائف جديدة تكنولوجية لم تكن موجودة، تؤدي لاحقاً إلى ارتفاع مستوى المعيشة وتحرير الموارد البشرية لاستخدامات أفضل.

كيف تتطور الريادة؟

لفت خربوطلي إلى تطور الفكرة نفسها لدى شومبيتر، منتقلاً من البطل الفردي إلى مفهوم المختبر العملاق، ففي مرحلته الأولى «شومبيتر مارك 1»، ركز على دور رائد الأعمال الفردي الذي يخاطر ويبتكر ويقلب الموازين، أما في مرحلته «شومبيتر مارك 2»، فقد لاحظ أن الابتكارات الكبرى أصبحت تأتي من الشركات الكبرى ومختبرات البحث والتطوير الضخمة.
وأشار الخبير إلى السؤال الأصعب الذي طرحه شومبيتر: هل يمكن للمجتمع أو للاقتصاد أن يحصد ثمار الابتكار والإبداع والتجديد من دون دفع ثمن الاضطراب؟ وفقاً لنظريته، الإجابة هي «لا» بالطبع. فمحاولة حماية الشركات القديمة أو الوظائف المتقادمة تؤدي في النهاية إلى الركود، بينما قبول هذه العاصفة هو الطريق الوحيد نحو الازدهار طويل المدى.

قادة التغيير

وختم الدكتور خربوطلي مداخلته بتوجيه البوصلة نحو الواقع السوري، مؤكداً أن ما يهمنا في هذا الحديث هو أن رواد الأعمال السوريين، وفي خضم اقتصاد سوق حر تنافسي جديد، هم قادة التغيير وقمم التجديد ورواد التميز الخلاق، وذلك من خلال أفكارهم الملهمة، ومشاريعهم المبتكرة، ومنتجاتهم المختلفة، وخدماتهم المتجددة غير المسبوقة، وأساليب إدارتهم الإبداعية، ورفضهم القوالب الجامدة والنماذج التقليدية المكررة.

Leave a Comment
آخر الأخبار