الحرية – عثمان الخلف:
لم يعد الرقم “سعر الصرف” مجرد قيمة حسابية في نشرات الصرف غير الرسمية، لسعر الدولار مقابل الليرة السورية، بل تحول إلى أداة تضعف القدرة الشرائية للمواطن السوري في الصميم، وليجد المواطن نفسه وحيداً في مواجهة سوق موازية، يقودها التلاعب النفسي والمضاربات التي لم تعد تجدي معها القرارات الإدارية الجامدة أو “المسكنات” النقدية للبنك المركزي الذي يتجاهل أصل المشكلة وينشغل بالعوارض.
جذور المشكلة
فبينما يحاول البنك المركزي بسياسته النقدية اللحاق بقطار التضخم، تبدو السوق الموازية وكأنها “المايسترو” الحقيقي الذي يدير إيقاع الأسعار، من رغيف الخبز وصولاً إلى المواد الخام الصناعية، فكيف وصلنا إلى هذه السطوة؟ وما السبيل لفك ارتهان الاقتصاد السوري لـ “شاشات الموبايل” وتطبيقات الصرف؟
في معرض رده على هكذا تساؤلات، يؤكد الخبير الاقتصادي مازن الشاهين في حديثه لـ”الحرّية ” أن جذور المشكلة، أكثر من مجرد مضاربات، بل إن اختزال الأزمة في “جشع التجار” أو “المضاربات” هو تسطيح لواقع اقتصادي معقد.
مشيراً إلى أن المشكلة تضرب بجذورها في عدة اتجاهات، وعلى رأسها أولاً الفجوة الهيكلية في العرض والطلب، إذ لا تزال الموارد التقليدية للنقد الأجنبي (التصدير، السياحة، الاستثمارات الكبرى) في طور التعافي، ما يجعل العرض النقدي محدوداً أمام طلب متزايد لتغطية المستوردات والاحتياجات الأساسية.
إضافةً لأزمة الثقة والتحوط التي تحكم واقع حال المدخرين، فمع كل اهتزاز يلجأ المدخرون إلى “الدولرة” كآلية دفاعية لحماية مدخراتهم من التآكل، ما يخلق ضغطاً مستمراً على الليرة.
فيما تأتي هذه الإجراءات تزامناً والاستبدال النقدي (الإصدار الجديد)، وفق الشاهين، فالبرغم من ضرورته الفنية، فإنه خلق حالة من الارتباك والترقب في السوق دفعت البعض للهروب مؤقتاً نحو العملات الصعبة، ناهيك بالتأثيرات الإقليمية، فلا يمكن عزل الداخل السوري عن الهزات الاقتصادية في دول الجوار (لبنان وتركيا)، حيث تتداخل الأسواق المالية والتهريب بشكل عضوي.
ما الحل أو الحلول؟
وفي إطار تصوراته كخبير اقتصادي، يطرح الشاهين جملة مقترحات كحلول، داعياً للمبادرة انطلاقاً من مبدأ الاقتصاد يُعالج بالاقتصاد، الحل يتطلب شجاعة في اتخاذ قرارات “جراحية”، ومنها تحرير واقعي ومدروس لسعر الصرف، ويجب تقليص الفجوة بين السعر الرسمي (المثبت حالياً حول 11000-11100 ليرة وسعر السوق السوداء، فالوجود الفعلي لسعرين يخلق بيئة خصبة للفساد والمضاربة ويهرب الاستثمارات.
كذلك بدلاً من الاكتفاء بإصدار القرارات، على المصرف المركزي التدخل بأدوات نقدية مرنة، مثل رفع أسعار الفائدة الحقيقية لجعل الادخار بالليرة السورية “مغرياً” قياساً بالدولار.
كما يشير الشاهين لفكرة مأسسة الحوالات، حيث تشكل حوالات المغتربين شريان الحياة الرئيسي (بمبالغ تقدر بملايين الدولارات سنوياً) ويجب تقديم حوافز حقيقية وسعر صرف “تفضيلي” لجذب هذه الكتلة النقدية نحو القنوات المصرفية الرسمية بدلاً من السوق السوداء.
ويضيف الخبير الاقتصادي: “لا قيمة لأي إجراء نقدي ما لم يدعمه إنتاج حقيقي”، ويجب توجيه الدعم لقطاعي الزراعة والصناعات التحويلية لتقليل فاتورة الاستيراد وزيادة الصادرات، فكل دولار يُنتج محلياً هو رصاصة في صدر السوق السوداء” ، مع ضرورة تحفيز الإنتاج المحلي، وتقديم إعفاءات ضريبية وقروض ميسّرة للصناعة، لتقليص العجز التجاري، وكذلك دعم الصادرات الفعلية، وتيسير إجراءات التصدير وخفض تكاليفه، لتوليد دخل دولاري حقيقي.
وختم الشاهين قائلاً: “إن استعادة السيطرة على سعر الصرف ليست مستحيلة، لكنها تتطلب الانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “إدارة الاقتصاد”، والسوق الموازية ستظل تتحكم بمصيرنا طالما ظل الاقتصاد الرسمي عاجزاً عن توفير البدائل والبيئة الآمنة للرأسمال الوطني”.