عناية بخاري.. اللوحة كفضاء بصري بين العفوية والهندسة

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – علي الراعي:

في المشهد التشكيلي السوري، تُشكّل تجربة الفنانة التشكيلية عناية بخاري إحدى علاماته الفارقة، وذلك من خلال الأسلوب الذي اختارته، والذي كثيراً ما خرج عن النسق، وهو من حالات الخروج النادرة عن “تماثل” أدى إلى تقليدية ما في هذا المشهد، وكأن مختلف الأعمال تُنتج من محترف واحد.

و”الخروج” الذي وسم أعمال بخاري تجلى أكثر ما تجلى في تحدي الاشتغال على “الخط المستقيم”، هذا الخط الذي كثيراً ما يتجنبه الفنانون لصالح الخط المنحني، وأظنها الوحيدة في هذا المشهد التشكيلي التي قبلت هذا التحدي في “ترويض” الخط المستقيم لخلق “إيقاعات” بصرية على مدى خامة البياض، وذلك من خلال انشغالها في البحث البصري اللوني الذي كان لعبتها الفنية في عشرات الأعمال التشكيلية.

استكشاف العلاقات

ورؤيتها في ذلك تقوم على استكشاف العلاقات بين اللون والشكل والإيقاع، حيث تتحول اللوحة إلى حقل مفتوح من العلامات والتكوينات التي تستدعي المتلقي للمشاركة في إنتاج المعنى، بدلاً من تلقي صورة جاهزة أو موضوع محدد، إذ تكشف هذه الأعمال عن تجربة إبداعية استطاعت التنقل بسلاسة بين التجريد الغنائي والتجريد الهندسي، وكذلك بين الحس العفوي والانضباط البنائي، وهو ما يمنحها خصوصيتها داخل فضاء الفن السوري المعاصر.

علامات سوداء

ففي إحدى اللوحات على سبيل المثال، يواجه المشاهد شبكة كثيفة من العلامات السوداء المتناثرة فوق أرضية تركوازية، تتخللها بقع حمراء وصفراء زاهية مع مساحات زرقاء واسعة، تبدو العناصر هنا وكأنها كتابة متخيلة أو بقايا أبجدية فقدت معناها اللغوي لتكتسب معنى بصرياً خالصاً. هنا لا تستخدم الفنانة الخط بوصفه نصاً، بل بوصفه أثراً حركياً، يقترب من الموسيقا أكثر مما يقترب من اللغة. هذه الكثافة الإيقاعية تمنح اللوحة إحساساً بالحركة المستمرة، فلا توجد نقطة مركزية تستحوذ على النظر، وإنما تتوزع الطاقة على كامل المسطح، بما يُذكّر بتجارب التعبيرية التجريدية التي تجعل من الفعل التشكيلي ذاته موضوعاً للعمل الفني.

دوائر ومستطيلات

في المقابل، تنتقل الفنانة في لوحة أخرى إلى عالم مختلف تماماً، إذ تحضر الأشكال الهندسية البسيطة: الدوائر والمستطيلات والشبكات الدقيقة، في بناء متوازن يعتمد على الشفافية وتراكب الطبقات، يأتي اللون هنا أكثر هدوءاً، حيث تسيطر درجات الوردي والبيج والأخضر الليموني، بينما تتقاطع المساحات لتنتج إحساساً بالعمق رغم انبساط السطح، هذا التحول يكشف عن قدرة الفنانة على الانتقال بين لغتين بصريتين دون أن تفقد هويتها؛ فهي لا تستبدل التجريد الحر بالتجريد الهندسي، بل تجعل كليهما جزءاً من مشروع واحد يقوم على البحث في العلاقات البصرية.

تعايش العناصر

وفي لوحة ثالثة، تُقدم الفنانة تركيباً أكثر تعقيداً، إذ تتداخل الدوائر والمثلثات والمربعات مع طبقات شفافة من الألوان الدافئة والباردة، ويبدو واضحاً اهتمام بخاري بمفهوم التراكب، حيث لا تلغي العناصر بعضها بعضاً، وإنما تتعايش داخل فضاء واحد، فينشأ حوار بصري بين الشكل واللون والفراغ. وتكشف هذه اللوحة عن وعي واضح بمبادئ التصميم والبناء الهندسي، لكنها في الوقت نفسه لا تقع في جمود الصرامة الرياضية، إذ تحافظ على قدر كبير من الحيوية من خلال اختلاف الشفافيات وتنوع الملامس البصرية.

بناء نقطي

في لوحة رابعة، تعود الفنانة إلى البناء النقطي، حيث تتشكل المساحات من آلاف البقع اللونية الصغيرة التي تتجمع لتكوين مركز أحمر نابض داخل إطار واسع من الأزرق. هذه التقنية تستحضر تقاليد التنقيط، لكنها لا تكررها، بل تعيد توظيفها في سياق معاصر يعتمد على الكثافة والإيقاع. ويبدو اللون هنا عنصراً بنائياً وليس مجرد وسيلة للتزيين، فالأزرق يخلق فضاءً هادئاً، بينما يعمل الأحمر باعتباره بؤرة للطاقة والانفعال، في حين يربط الأصفر بين الكتلتين ليحقق توازناً بصرياً دقيقاً.

الفكر البنّاء

في أعمال الفنانة بخاري، لا بد أن المتلقي سيلاحظ تأثير الفكر البنائي في التعامل مع الشكل، الذي تُشكّل منه الفنانة حساً زخرفياً شرقياً يجعل التكوين أكثر دفئاً وأقل ميلاً إلى البرودة العقلانية التي تميز بعض اتجاهات التجريد الهندسي، لاسيما مع حضور اللون بوصفه لغة مستقلة. فهي لا تستخدم اللون لمحاكاة الطبيعة، بل لبناء العلاقات النفسية والبصرية، واللافت أيضاً أنها تمنح المتلقي مساحة واسعة للتأويل، فلا تفرض موضوعاً محدداً، ولا تقدم عنواناً بصرياً مغلقاً، بل تترك المجال مفتوحاً أمام القراءة الشخصية، فقد يرى أحدهم في هذه العلامات كتابة، بينما يراها آخر موسيقا، أو خرائط، أو خلايا مجهرية، أو حتى مدناً تتشكل وتتفكك باستمرار. وهذه القدرة على إنتاج قراءات متعددة تعد إحدى نقاط القوة في التجريد المعاصر.

عالم اللوحة

ما تكشفه أعمال بخاري هو تأكيدها على أن اللوحة ليست نافذة على العالم، بل هي عالم قائم بذاته، عالم تحكمه قوانينه الداخلية، وتتشكل عناصره وفق إيقاع بصري مدروس، تتوازن فيه الحرية مع النظام، والعفوية مع البناء، والحركة مع السكون. وذلك في تنقلاتها بين الإشارة الخطية والتنقيط والهندسة والتراكب اللوني، دون أن تبدو هذه التحولات قفزات متناقضة، بل مراحل داخل مشروع بصري يبحث باستمرار عن إمكانات جديدة للشكل واللون. ومن ثم فهي قد وفرت لتجربتها مناخاً لأن تكون مشروعاً مفتوحاً على التطور، لا يمل ويواصل البحث عن لغة تشكيلية خاصة قادرة على الجمع بين الحساسية الشرقية وروح الحداثة العالمية، في صياغة بصرية تمتلك شخصيتها المستقلة وتدعو المتلقي إلى التأمل أكثر مما تدعوه إلى الاكتفاء بالمشاهدة.

Leave a Comment
آخر الأخبار