دخول الشبكات العالمية.. فرصة ذهبية لإعادة دمج سوريا في النظام المالي العالمي

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية– هناء غانم:

مع تولي الدكتور صفوان رسلان مهامه كحاكم جديد لمصرف سوريا المركزي، تفتح البلاد صفحة جديدة في مسارها المالي والمصرفي، تتجاوز مجرد ضبط سعر الصرف أو إدارة الأزمة اليومية.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور رازي محي الدين، الباحث الاقتصادي، في تصريح خاص لـ«الحرية»، أن دخول شبكات الدفع العالمية الكبرى (ماستركارد وفيزا) إلى السوق السورية يمثل فرصة استراتيجية لإعادة دمج سوريا جزئياً في النظام المالي العالمي، وتعزيز الاقتصاد الرقمي والشمول المالي.
لكن هذه الخطوة، كما يوضح الدكتور محي الدين، تتطلب سياسات نقدية واضحة، وإدارة موثوقة، وتعاوناً وثيقاً بين المصرف المركزي والقطاع المصرفي والقطاع الخاص، مشيراً إلى أن نجاح المرحلة المقبلة مرتبط بقدرة الإدارة النقدية على تحويل الفرص الرقمية إلى نمو اقتصادي مستدام، دون المساس بالسيطرة على النظام المالي الوطني.

فرص استراتيجية واقتصادية

يرى الدكتور محي الدين أن دخول الشبكات العالمية إلى سوريا ليس مجرد عملية تقنية أو تجارية، بل هو خطوة استراتيجية يمكن أن تغير مسار الاقتصاد الرقمي بالكامل، وتؤثر على سلوكيات المستهلكين والشركات، وعلى قدرة الدولة على تطوير البنية التحتية المصرفية وتعزيز الشمول المالي.
ويؤكد أن دخول ماستركارد وفيزا يمثل فرصة تاريخية لإعادة دمج سوريا جزئياً في النظام المالي العالمي، مشيراً إلى أن هذه الخطوة ستسهل بشكل كبير التحويلات المالية للمغتربين، التي تعتبر شرياناً حيوياً للاقتصاد السوري في الظروف الراهنة، كما ستدعم الشركات الناشئة والمشاريع الصغيرة، وتساهم في تطوير التجارة الإلكترونية بشكل غير مسبوق.

البطاقة الإلكترونية.. أداة تمكين اقتصادي

يشدد الدكتور محي الدين على أن البطاقة الإلكترونية ليست مجرد وسيلة دفع عادية، بل هي أداة تمكين اقتصادي بامتياز، فهي تقلل الاعتماد على النقد التقليدي، وتوسع نطاق الشمول المالي، إذ يمكن إدخال شرائح واسعة من المواطنين إلى النظام المالي الرسمي عبر المحافظ الإلكترونية والبطاقات مسبقة الدفع.
ويضيف: إن هذا التوسع يتيح للبنوك تقديم خدمات مالية أكثر تطوراً وفعالية، ويخلق بيئة مواتية للاستثمار، ويساعد في تطوير البنية التحتية المصرفية، بما يشمل الربط الدولي وتحسين أنظمة معالجة المدفوعات. كما يرى أن هذه الفرصة لا تقتصر على البعد الاقتصادي فقط، بل تمتد لتشجيع السياحة والاستثمار، حيث تجعل التعاملات المالية أكثر سلاسة وشفافية، ما يزيد من ثقة المستثمرين ويجعل سوريا بيئة أكثر جذباً للأعمال.
من ناحية أخرى، يعزز هذا التحول القدرة التنافسية في الأسواق العالمية، ويتيح للشركات المحلية الوصول إلى قاعدة عملاء أوسع خارج حدود البلاد.

المخاطر الاقتصادية والسياسية والتقنية

بالرغم من هذه الفرص الواعدة، يحذر الدكتور محي الدين من أن الاعتماد على شبكات أجنبية كبرى يحمل مخاطر واضحة وصعبة التجنب.
ويوضح في هذا الصدد أن السياسة الدولية والعقوبات قد تؤدي إلى تجميد البطاقات أو تعطيل التحويلات في أي وقت، كما حدث مع دول أخرى خاضعة لعقوبات، مشيراً إلى أن هذه المخاطر السياسية لا تؤثر فقط على الأفراد، بل يمكن أن تهدد الاستقرار المالي للقطاع المصرفي بأكمله.
كما يشير إلى أن العمولات المرتفعة التي تفرضها الشبكات العالمية قد تستنزف العملات الأجنبية وتزيد من تكلفة المدفوعات، ما يمثل تحدياً إضافياً للاقتصاد المحلي ويؤثر على القدرة التنافسية للشركات السورية، خاصة في ظل الأسواق المحلية التي لا تزال تعتمد إلى حد كبير على النقد.
ويضيف الدكتور رازي: إن هناك تهديداً واضحاً لشركات الدفع المحلية، فإذا لم تستطع هذه الشركات تطوير نفسها بسرعة لمواكبة دخول الشبكات العالمية، فإنها قد تواجه تراجعاً كبيراً في حصتها السوقية، ما قد يؤدي إلى فقدان وظائف وخدمات مالية محلية مهمة.
أما المخاطر التقنية، فيؤكد أنها لا تقل أهمية، فالدخول السريع لشبكات الدفع دون بنية تحتية قوية يزيد من احتمالية الاختراقات والاحتيال الإلكتروني وسرقة البيانات، لذلك يشدد الدكتور محي الدين على أهمية تحديث البنوك وأنظمة الحماية الرقمية بشكل كامل، مع الاستثمار في مراكز بيانات حديثة وأنظمة أمن سيبراني قوية، لتجنب الأضرار المالية والمعنوية المحتملة.

التحديات التنظيمية والثقافة المالية

ولا تقتصر الصعوبات على الجانب الاقتصادي أو التقني فقط، بل تمتد إلى البنية التنظيمية والقانونية، إذا يوضح الدكتور محي الدين أنه مع دخول الشبكات العالمية، تحتاج البنوك السورية إلى تحديث أنظمتها، وربطها بشكل فعال مع البنوك الدولية، وتطبيق معايير صارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML وKYC)، بما يضمن الامتثال الكامل للوائح الدولية ويعزز الثقة بالنظام المصرفي.

كما يشير إلى أن ضعف الإنترنت وعدم استقرار الكهرباء يمثلان عائقاً مباشراً أمام عمل أنظمة الدفع الإلكتروني، في حين أن انخفاض الثقافة المالية الرقمية بين المواطنين يجعل التوعية أمراً ضرورياً لضمان الاستخدام الأمثل للبطاقات الإلكترونية.
ويضيف: إن «الكثير من السوريين ما زالوا يعتمدون على النقد بسبب تجارب سابقة مع البنوك وخوفهم من تجميد أموالهم أو الوقوع في الاحتيال المالي»، لذلك يرى أن حملات التثقيف المالي والتدريب على التعامل مع التجارة الإلكترونية يجب أن تكون جزءاً لا يتجزأ من هذه المرحلة الانتقالية.

رؤية استراتيجية متوازنة

في ختام تصريحه لـ«الحرية»، يؤكد الدكتور محي الدين أن دخول ماستركارد وفيزا إلى سوريا يمثل فرصة ذهبية لتعزيز الاقتصاد الرقمي والشمول المالي، وتطوير البنية التحتية المصرفية، ودعم الاستثمار والتجارة الإلكترونية، لكنه يشدد على أن نجاح هذه الخطوة يعتمد على رؤية متكاملة واستراتيجية متوازنة تحقق التوازن بين الاستفادة من الفرص ومواجهة المخاطر الاقتصادية والسياسية والتقنية، مع التركيز على تطوير التشريعات، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية، ورفع الثقافة المالية الرقمية بين المواطنين.
واختتم بالقول: «بهذه الرؤية، يمكن لسوريا أن تحول هذه الخطوة إلى نجاح اقتصادي مستدام، لا مجرد تجربة مؤقتة، لتصبح جزءاً من الاقتصاد العالمي الحديث دون فقدان السيطرة على قطاعها المالي».

Leave a Comment
آخر الأخبار