بسبب الحاجة.. نساء يعملن في مهن كانت حكراً على الرجال

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – باديه الونوس:
تقف أم حسين أمام بسطة خضار في السوق المحاذي لشارعها، حيث يتواجد سوق لبيع الخضراوات بأنواعها والشارع يعج بالمارة، وأم حسين أم لأربعة أولاد وزوجها متوفٍ، تقول: «ارتدي منذ الخامسة صباحاً ثياب العمل، وأحمل أدوات بسيطة «عربة» لجر صناديق الخضرة ومن ثم صفها بشكل جميل»، وتضيف: «أحياناً لا أشعر بالتعب ولا بالوقت لأنني امتهنت هذا العمل منذ عشر سنوات واعتدت عليه، وفي النهاية أحقق دخلاً يساعدني في نفقات البيت التي لا تنتهي».
أم حسين تمثل شريحة واسعة من النساء اللواتي يعملن في مهن كانت في الماضي حصراً للرجال.
هذا المشهد أصبح مألوفاً للجميع، إذ نرى سيدة تبيع على بسطة ثياب لساعات طوال تنتظر بيع بضعة قطع، أو قارئة عداد المياه تجول في الحارات، أو فتاة في مهنة الدهانات تحمل أدواتها وتعمل، بعيداً عن فكرة المساواة والعدالة لإثبات تمكين النساء – فهذه شعارات فارغة لم تعد تصلح حتى للمحاضرات المستهلكة – لكن وحدها الحاجة الماسة للعمل تدفع النساء للعمل في هذه المهن، رغم التبعات النفسية والاجتماعية التي تترك ندباتها على أرواحهن.

ليس ترفاً

وهنا تؤكد الباحثة الاجتماعية عزة الكردي أن المجتمع شهد تحولات اقتصادية واجتماعية، ولعل أبرز ملامح هذا التحول هو اضطرار المرأة لدخول قطاعات عمل كانت حكراً على الرجال، ولم يعد مستغرباً اليوم رؤية سيدة تقود سيارة أجرة في شوارع المدينة، أو أخرى تعمل في عتالة البضائع في سوق الهال، أو حتى تشارك في أعمال البناء الشاقة.
هذا الانتقال لم يكن خياراً ترفياً أو بحثاً عن تمكين ذاتي بمفهومه التقليدي، بل فرضته ظروف قاسية وضعت النساء في مواجهة مباشرة مع أعباء معيشية لا ترحم.

تتجاوز الإرهاق الجسدي

ووفق الباحثة الاجتماعية الكردي، فإن التبعات النفسية والاجتماعية لعمل المرأة في هذه المهن الشاقة تتجاوز الإرهاق الجسدي اليومي إلى إحداث شرخ في التوازن النفسي والأسري، فالمرأة التي تضطر لقضاء ساعات طويلة في أعمال تتطلب جهداً بدنياً عنيفاً تعاني من «الإنهاك النفسي والجسدي المركب»، حيث تجد نفسها مطالبة بلعب دور المعيل الذكوري الصارم خارج المنزل، مع الحفاظ على دور الرعاية والعاطفة كأم وزوجة داخله.
وتضيف: هذا الصراع المستمر بين الأدوار يولد مشاعر مزمنة بالقلق والتقصير والضغط النفسي، علاوة على ذلك، فإن بيئة العمل هذه تفتقر غالباً للأمان والخصوصية، مما يعرض السيدة لمواجهات وضغوط اجتماعية وتنميط قد يخدش شعورها بالأمان والاستقرار النفسي.

مؤشرات نفسية

أضافت الكردي إن هذه الظاهرة تعكس مؤشرات نفسية واجتماعية بالغة الأهمية؛ أولها هو «تبدل الأدوار الجندرية القسري» نتيجة غياب أو عجز المعيل الأساسي بسبب الظروف الاقتصادية.
على الصعيد الاجتماعي، تقول الكردي، تؤشر هذه الظاهرة إلى تآكل شبكات الأمان الاجتماعي التقليدية، وتحول التضامن الأسري إلى مسؤوليات فردية ثقيلة تقع على عاتق الفئات الأكثر هشاشة.
وعلى الصعيد النفسي، فإنها تدل على حالة من «التكيف الصادم»، حيث يتراجع سلم الأولويات من البحث عن جودة الحياة وتطوير الذات إلى مجرد الكفاح اليومي من أجل البقاء، وهو ما قد ينتج عنه جيل ناشئ يفتقد للرعاية العاطفية المتكاملة بسبب غياب الأم الطويل واستنزاف طاقتها.

إجراءات ضرورية للتخفيف من تبعاتها

أمام هذا الواقع، تبين الباحثة الاجتماعية الكردي أنه لم يعد الصمت أو الاكتفاء بالرصد خياراً مقبولاً، بل يتطلب الأمر تحركاً فورياً وإجراءات حازمة من الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية للتخفيف من وطأة هذه الحالة، وهنا تبرز الحاجة إلى:
أولاً: تفعيل وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتأمين رواتب تقاعدية أو إعانات دورية للنساء المعيلات، لاسيما الأرامل والمطلقات واللواتي يرعين ذوي الاحتياجات الخاصة.
ثانياً: يجب خلق فرص عمل بديلة تتناسب مع الطبيعة البيولوجية والنفسية للمرأة، من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، وتقديم قروض ميسرة تتيح لهن الإنتاج من داخل منازلهن أو في بيئات عمل آمنة.
ثالثاً: تبرز أهمية تأسيس مراكز دعم نفسي واجتماعي حكومية مجانية تقدم الاستشارات والمساندة لهؤلاء النساء، لمساعدتهن على التعامل مع ضغوط الحياة وإعادة التوازن المفقود لأسرهن.

ضرورة ملحة

تختم الباحثة الكردي بقولها: إن حماية المرأة السورية من قسوة المهن البدنية الشاقة ليست مجرد واجب إنساني، بل هي ضرورة وطنية ملحة للحفاظ على ما تبقى من تماسك في النسيج الأسري والمجتمعي.

Leave a Comment
آخر الأخبار