صناعة “الفراء” الطبيعي في دير الزور.. احتضنتها الأسواق التراثية وغابت مع دمارها

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحريّة- عثمان الخلف:
اشتهرت محافظة دير الزور بصناعة “الفراء”، وكان السوق “الأظلم”، كما يُسمى محلياً حاضنة محال صناعتها، وهو أحد الأسواق الشعبيّة القديمة التي تعرضت للدمار بفعل آلة النظام البائد العسكريّة، وقصفها للمدينة خلال سنوات الثورة، فاختفت صناعته مع دمار تلك الأسواق، حيث يقتصر وجودها على محال بيعها وفي الغالب تكون من الجلد الصناعي.

أسعار الفراء الطبيعي مُرتفعة وتتجاوز مليوني ليرة

ارتبطت صناعتها بعوائل

يُشير الباحث في التراث غسان رمضان في حديثه لـ”الحرية” إلى أن صناعة “الفراء” كانت من أهم الصناعات التي تشتهر بها المحافظة، وتعمل بها عائلات عدة هي: “آل الحرش” الأقدم في تصنيعها، كذلك “آل خرابة”، و”آل عطالله”، و”محمد سعيد البعاج” و”أحمد العوض”، و”جاسم العبد الله”، و”علي الحاج سليمان”.
وأضاف: “هي مهنة يدوية قديمة، ولا يزال هناك من يرتدي “الفراء” ويُحافظ عليه زياً شعبياً يرتبط بفصل الشتاء، يمنح الدفء، وتختلف نوعيتها بحسب من يرتديها إذ لها أنواع عدة، فتجد ما يُصنع من جلد الخراف الصغيرة ويُسمى (الطلياني)، وجاءت التسميّة من (الطلي) أي الخروف الصغير حسب لهجة أهالي دير الزور، وسعرها مُرتفع”.
وتابع: “فهناك فروة (الجباشي)، والتسمية جاءت من “الكباش”، أي كبش الأغنام، حيث تُلفظ الكاف في لهجتنا كالجيم، كذلك هناك فراء من الجلد الصناعي وهذه تم بدء العمل بها منذ 15 عاماً”، يلبس “الفراء” الرجال والنساء، لاسيما في الريف، وإذ تأتي للرجال طويلة تُغطي الجسم ويلتفون بها، فإنها للنساء تكون قصيرة وتُسمى “إبطيّة”، لكن لا تدخل بصناعتها الجلود، فقط داخلها من صوف الأغنام.

باتت تقتصر على محال البيع وتُجلب من خارج المحافظة

سوق “الأظلم”:

ويلفت رمضان إلى أن السوق (الأظلم) في دير الزور، هو سوق تاريخي في المدينة القديمة، وجاءت تسميته الشعبيّة نتيجة الظلام الذي يسوده، حتى في النهار، فلا تخترقه أشعة الشمس، كونه مقبياً، وقد أُنشئ في أواخر العهد العثماني حوالي العام 1865 ميلادي، وكان يُعد مركزاً تجارياً حيوياً في المدينة قبل تدميره بشكلٍ كبير عام 2012 بسبب القصف الذي تعرضت له المدينة من قبل آلة النظام البائد العسكريّة، اشتهر سابقًا بصناعة وبيع “الفراء” وكان الوجهة الرئيسية لمُشتريها.

طريقة صنعها :

“علي ذيب الحرش” أحد أرباب صناعة “الفراء” ورث المهنة عن أبيه، يُؤكد في حديثه لـ”الحرّية” إلى أن ارتباط عائلته بصناعتها يمتد لقرابة 150 عاماً، وعن طريقة صناعتها يقول: “كانت جلود الأغنام تُشترى من الجزارين، ويغسلها صانعو الفراء على ضفة نهر الفرات، وتحديداً تحت جسر فرع النهر الصغير بدير الزور، وبعد غسل الجلود وأخذها إلى محل التصنيع، تُوضع فوقها كمية من الملح لتبقى فترة من الزمن حتى تجف تحت أشعة الشمس، ثم في المرحلة الثانية تُوضع عليها (الشبّة) للتعقيم كما أنها تعطي الجلد الليونة والنعومة، يلي ذلك وضع اللبن الرائب فوق جلود الأغنام من (خراف وكباش وأبقار) وتُعرض للهواء، وكل هذه الأعمال تُسمى (التيمرة) وتكون في بداية فصل الصيف”.
ويتابع: “عند جفاف الجلود نهاية فصل الصيف تبدأ عملية البَشرْ (أي بشر الجلد بآلة حادة تشبه المنجل) حيث تُزال جميع الأوساخ العالقة وكذلك بقايا (الشبّة) واللبن الرائب، ثم تتم عملية تجهيز الفراء أو ما يُطلق عليها بلهجتنا “الفروة”.

تُصمم وفق تطرزات عمودية وأفقيّة وجلد الخراف الصغيرة هو الأجود

جودة جلد الخراف:

يلفت الحرش إلى أن صناعة “الفراء” تعتمد من حيث الجودة على جلود الخراف الصغيرة في العمر، فكلما كان جلد الخروف صغيراً (طلي) كلما زاد سعر الفروة، وهي تُعد من النخب الأول وكلما كان عمرها كبيراً قلّ ثمنها، مشيراً إلى أنّ سعر القطعة من فراء “الطلياني” يصل إلى 2.5 مليون ليرة، بعده “الجباشي” بسعر يتراوح بين 1– 1.5 مليون، في حين يبدأ سعر الفراء الصناعي من 200– 600 ألف ليرة .
ويوضح الحرش أن جلود الأبقار أيضاً تُستخدم في صنعها، فالنوع الجيد من الفراء يستهلك تجهيزه وقتاً، وتأخذ أشكالاً عدة عند تطريزها عمودياً وأفقياً.
الحرش البالغ من العمر 80 عاماً أشار إلى أنّ الدمار طال محال صناعة “الفراء” في أسواق دير الزور القديمة نتيجة الحرب التي شنها النظام البائد، فيما يقتصر عمله الآن على بيعها في زاوية من محل اتخذه في حي القصور، لافتاً إلى ضرورة إعادة تأهيل تلك الأسواق التي كانت تحتضن مختلف الصناعات التراثية، وارتبطت بذاكرة أبناء الفرات، لإعادة هذه المهنة إلى سابق عهدها، فتصنيعها غاب وباتت تُجلب من خارج محافظة دير الزور، من حلب وحماة.

Leave a Comment
آخر الأخبار