شرط وجود الرؤية الاستراتيجية.. إعادة الإعمار مدخل أساسي لاستعادة ثقة المستثمر المحلي والسوري المغترب

مدة القراءة 4 دقيقة/دقائق

الحرية- لوريس عمران:

في الوقت الذي ينظر فيه الكثيرون  من السوريين إلى إعادة الإعمار كعملية تقنية تنحصر في ترميم ما تهدم، يقدم الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عيسى خليلو قراءة مغايرة لما يحصل، حيث يرى فيها مرحلة مفصلية تمثل حجر الزاوية في بناء تعاف اقتصادي حقيقي.
هذه الرؤية تتجاوز البعد الإنشائي المحدود لتستقر في صلب العملية التنموية الشاملة، معتبرة أن إعادة الإعمار هي الأداة القادرة على إعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني ورسم ملامح نموه المستقبلي، بعيداً عن الحلول الإسعافية المؤقتة.

من الإنفاق الاستهلاكي إلى القاعدة الإنتاجية المستدامة

في السياق نفسه يؤكد الدكتور خليلو لـ”الحرية” أن نجاح مسار إعادة الإعمار لا يمكن قياسه بمجرد تراكم المشاريع أو حجم التدفقات المالية، بل بمدى قدرة هذه المشاريع على إرساء قواعد صلبة لتنمية مستدامة توازن بين طموحات النمو الاقتصادي وضرورات الاستقرار الاجتماعي، مبيناً أن المحك الحقيقي يكمن في تنشيط “الطلب الكلي” وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وهي عملية تتطلب إعادة دمج الموارد البشرية في دورة الإنتاج بفعالية عالية.
ويذهب الدكتور خليلو إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن هذه المرحلة تمنح الاقتصاد فرصة تاريخية ونادرة لإعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مضيفاً أن هذا التوجه الاستراتيجي هو الضامن الوحيد لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني على المديين المتوسط والطويل، وتفادي السقوط في فخ نماذج النمو الهشة التي تعتمد على إنفاق قصير الأجل والذي يفتقر للمردود الإنتاجي الحقيقي، ما قد يؤدي لاحقاً إلى أزمات تضخمية أو اختلالات مالية أعمق.

ثنائية البنية التحتية ورأس المال البشري

في تشخيصه لمتطلبات المرحلة يطرح الدكتور خليلو معادلة التكامل الجوهري، حيث يرى أن الاستثمار في البنية التحتية والمرافق العامة يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع الاستثمار في رأس المال البشري والتكنولوجيا وتطوير القاعدة الصناعية، هذا الترابط هو ما يضمن، من وجهة نظره، تحقيق نمو متوازن يلمس أثره المواطن بشكل مباشر عبر خلق فرص عمل حقيقية ورفع مستويات الدخل القابل للإنفاق.
كما يتوقف الدكتور خليلو عند أزمة الثقة كعائق اقتصادي، مشدداً على أن إعادة الإعمار هي المدخل الأساسي لاستعادة ثقة المستثمر المحلي والسوري المغترب على حد سواء، موضحاً  أن هذه الثقة لا يمكن ترميمها عبر الوعود الشفهية أو الخطاب التفاؤلي المجرد، بل عبر بناء بيئة أعمال تتسم بسياسات اقتصادية واضحة ومستقرة، أيضاً إطار تشريعي يتميز بالمرونة، وإجراءات إدارية مبسطة تهدف إلى تقليص البيروقراطية والحد من المخاطر الاستثمارية التي قد تعترض طريق الرساميل.

إعادة التوزيع الجغرافي

ومن زاوية اقتصادية-اجتماعية يرى الخبير الاقتصادي أن إدارة ملف إعادة الإعمار بكفاءة عالية توفر فرصة ذهبية لمعالجة الاختلالات الهيكلية المزمنة التي عانى منها الاقتصاد طويلاً، مبيناً أنه يتحقق ذلك  من خلال إعادة توزيع النشاط الاقتصادي جغرافياً، وتوجيه المشاريع نحو المناطق الأقل نمواً لتحقيق عدالة تنموية شاملة،مشيراً إلى أن هذا التوزيع العادل لا يسهم فقط في تخفيف الضغط عن المراكز الكبرى، بل يشكل ركيزة أساسية لتعزيز الاستقرار الاجتماعي وتقليص الفجوات الطبقية والمناطقية.
ويحذر الدكتور خليلو من الاندفاع غير المدروس، داعياً إلى ما يسميه التفاؤل العقلاني، مبيناً أن هذا النوع من التفاؤل يستند حصراً إلى التخطيط طويل الأمد، وتحديد الأولويات الوطنية بوضوح، وربط كل مشروع بجدول زمني وأهداف تنموية قابلة للقياس والتقييم الدوري، لافتاً إلى أن غياب هذه الرؤية الاستراتيجية قد يحول عملية إعادة الإعمار من رافعة اقتصادية إلى عبء مالي يثقل كاهل الخزينة، مبيناً أن  حسن الإدارة يضمن تحويلها إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد مرن وقادر على الصمود أمام الصدمات المستقبلية.

إعادة التأسيس

يختم الدكتور  خليلو طرحه بالتأكيد على أن إعادة الإعمار ليست مجرد رد فعل أو استجابة لمرحلة ما بعد الأزمة، بل هي بمثابة إعادة تأسيس شاملة للهوية الاقتصادية الوطنية، وهي مهمة وطنية تتطلب تضافر كافة الجهود بين القطاعين العام والخاص، بالإضافة إلى أنها تبني مقاربة اقتصادية كلية تضع “التنمية المستدامة” في جوهر كل قرار سيادي، بما يضمن عبوراً آمناً نحو تعاف اقتصادي مستقر يخدم مصالح الدولة والمجتمع بشكل متكافئ ومستدام.

 

Leave a Comment
آخر الأخبار