الحرية – دينا عبد:
عندما يتغيّر دور الأب في مجتمعنا الذي اعتاد أن يكون معيلاً أكثر من دوره مربياً، يجد هذا الأب نفسه فجأة في قلب تفاصيل لم يتعلمها اجتماعياً من تحضير الإفطار، ترتيب أبنائه، إلى متابعة الواجبات، وتهدئة الخوف ليلاً.. وغيرها.
هؤلاء ليسوا حالات نادرة كما نتصور، هم أرامل، مطلّقون، أو آباء غابت أم أولادهم عن حياتهم بسبب مرض أو وفاة، فجأة يتحول الرجل إلى الوالد الذي يعيش دور الأب والأم معاً، في صمت وتحت ضغط اجتماعي مضاعف بينما تبقى تجربته خارج دائرة الضوء.
تحول قسري
هذا ما حصل مع طارق الوالد لطفلين بعد انفصاله عن زوجته لعدم الاتفاق بينهما فدفعته الظروف لأن يكون الأب والأم معاً، حيث وصف هذه التجربة بالانتقال القسري إلى دور لم يعهده من قبل ولم يدرّب عليه سابقاً.
ويقول لـ”الحرية”: الآباء في هذه الظروف يضطرون لكسر النمط التقليدي الذي تعوّدوا عليه، أن يكونوا عائلين لا مربين كل يوم داخل البيت وخارجه. ويواجهون ضغوطاً متزايدة عند الإجابة عن سؤال الأطفال المؤلم حول غياب أمهاتهم.
مسؤولية صعبة
كذلك سعيد، الأب الأرمل، لم يكن يتوقع يوماً ما أنه هو الذي سيتولى تربية ابنته بعد أن توفيت والدتها وتركتها بعمر الخمس سنوات.
يتحدث الأب لـ”الحرية” مبيناً أنه كان المرافق الوحيد لابنته الصغيرة في كل تفاصيل حياتها، فهو الذي يعدّ لها فطورها، و يوصلها للمدرسة، ويمشط خصلات شعرها.
لم يتأفف يوماً من مسؤوليته تجاه ابنته، فهو مؤمن بقدر الله الذي أخذ زوجته في عمر مبكر، هو بدوره لم يكن يتخيل أنه سيتكفل بتربية ابنته وهو الذي اعتاد فقط أن يلقي مسؤولية رعاية ابنته على زوجته.
ظروف تؤدي للحرمان
الدكتورة سمر علي (علم اجتماع- جامعة دمشق) بيّنت خلال حديثها لصحيفة “الحرية” أن الأسرة تتعرض لظروف قاسية أحياناً تُحرم من وجود الأم أو الأب وفي كلتا الحالتين سيؤثر ذلك على مسؤوليات الطرف الأخر من حيث واجباته تجاه الأسرة.

د.علي: في حال بقاء الأب الحاضن من دون زواج فسوف تكون المسؤوليات أكبر
وأشارت إلى أنه في ظل غياب الأم لأي ظرف كان سواء بالوفاة أو الطلاق أو الانفصال، يتحمل الأب مسؤوليات جديدة في حال بقي الأطفال في كنف رعايته، ومن أهم تلك المسؤوليات الرعاية اليومية والتربية والتعليم والانضباط من خلال متابعة دراستهم وظروفهم المدرسية، بالإضافة إلى تأمين البيئة الآمنة والسلامة الصحية والنفسية والدعم العاطفي والاجتماعي لأفراد الأسرة.
وبينت د.علي أن استجرار العلاقات مع الأسرة الممتدة يمكن أن يساعد في قيام الأب الحاضن بواجباته ومسؤولياته الجديدة من خلال دعم العائلة والأقارب والمجتمع المحلي.
وهنا بحسب د.علي يتوجب على الأب الحاضن تجاه الأبناء أن يمارس عليهم دور الأب والأم في الوقت نفسه، وهذا التحدي يحتاج الشجاعة والإرادة والتصميم على حماية الأسرة ورعاية الأبناء ومساندتهم في جميع شؤون حياتهم، ويترتب على ذلك آثار ونتائج لا يمكن تجاهلها كالاستقرار النفسي والعاطفي للأطفال وتعزيز ثقتهم بأنفسهم والاعتماد على قدراتهم لتحسين اندماجهم الاجتماعي وتكوين شخصية متوازنة قادرة على القيام بدورها المتوقع في مستقبل المجتمع.
ونوهت د. علي بأن الأب الحاضن سيحتاج وقتاً وجهداً إضافياً للبقاء قريباً من الأطفال والتركيز في عمله بالوقت نفسه، مع الحفاظ على العلاقات الأسرية، الأهل، الأصدقاء، هؤلاء الذين يمكن أن يكونوا أهم الداعمين والمؤثرين في الحياة الأسرية، وفي تغلب الأب الحاضن للأبناء على التحديات والصعوبات الناتجة عن غياب الأم الداعم.
فالأب والأم والمرشد والمعلم والموجه والصديق يمكنه أن يكون كل ذلك وأكثر عندما يتخذ قرار بحماية شمل عائلته حتى الرمق الأخير فيكون البطل في عيون الأبناء والمجتمع ويستحق أن يكرًّم وترفع له القبعة.
ولفتت د.علي إلى أنه في حال بقاء الأب دون زواج فسوف تكون المسؤوليات أكبر حيث أن زواج الأب الحاضن للمرة الثانية، قد يخفف الأعباء لكنه قد يضيف بالمقابل مشكلات في إيجاد علاقة متوازنة بين الأبناء وزوجة الأب، وبالإضافة لذلك فإن بقاءه من دون زواج سيعكس مسؤوليات كاملة عليه ليكون الأم والأب في حياة الأطفال بشكل يومي ومتابعاً لهم في مرحلة المراهقة والمشكلات المدرسية وعلاقاتهم مع الزملاء، وفي مرحلة الفتوة والشباب ستكون المسؤوليات أعمق وأكبر على الأب في ظل غياب دعم الأسرة والعائلة.
وختمت د.علي حديثها بالتأكيد على أن دور الأب الحاضن موجود في المجتمع، فكثيراً من الآباء يتحملون هذه المسؤولية ويقع على عاتق الأسرة الممتدة والأقارب تقديم الدعم والسند للأب الحاضن للحفاظ على ما تبقى من أسرته.

أكثر من دور طوال الحياة
اختصاصية الصحة النفسية د. غنى نجاتي بينت خلال حديثها لصحيفة “الحرية” أنه وبسبب الظروف والتفكك الأسري يمكن لأحد الأبوين أن يحمل أكثر من دور أسري طوال الحياة، وعندما يأخذ الإنسان أكثر من دور بشكل إجباري يصبح لديه شعور بمشاعر لا يفهمها.
وبالتالي تعدد الأدوار بالشخص الواحد لها آثار سلبية وإيجابية، فهو كأب لا يعرف الحاجات العاطفية التي كانت تقدمها الأم، أو فيما اذا كان بإمكانه تقديمها وخاصة أنه لم يكن موجوداً في المنزل طوال الوقت.
فكما هو معروف أن الحاجات الأساسية من المفترض أن يأخذها الابن من أبيه والفتاة من أمها وبالتالي عندما تتقلب الأدوار لأسباب قاهرة لفقدان الأم هنا يجب على الأب أن يزرع في أحاسيس الأبناء أنه صار بالنسبة لهم الأم والأب.
وذكرت د. نجاتي أنه وبحسب آخر إحصائيات الدراسات الأسرية فإن الأم العازبة عندما تأخذ أكثر من دور تنجح فيه بمرونة أكثر من الرجل وذلك لأنها تملك مرونة نفسية وذكاء عاطفي أعلى.
ولكن بالمقابل هناك دراسات مماثلة أثبتت أن بإمكان الرجل أن يكون حنوناً ويعطي شعوراً بالأمان النفسي الذي يحتاجه الابن.

الدراسة التتبعية بحسب نجاتي تثبت أن الأبناء الذين يكبرون من أسر مفككة (الأبناء الذين تربيهم الأم) يتمتعون بصحة نفسية جيدة ولا يوجد نقص بأدوارهم وأكملوا دراستهم الجامعية.
لكن للأسف الأبناء الذين يربيهم الأب انخفضت نسب تعليمهم، لذلك فحالات وصول الأبناء للجامعة انخفضت، وذلك لأن طبيعة الذكاء العاطفي التي يملكها الذكر أقل لذلك فطريقة التعبير عن المشاعر ليست كما هي عند الأم.
د. نجاتي:عندما يأخذ الأب أكثر من دور بشكل إجباري يصبح لديه شعور بمشاعر لا يفهمها
تغيير المفاهيم
خبيرة التوجيه النفسي والاجتماعي مي برقاوي أشارت خلال حديثها لصحيفة “الحرية” إلى أنه وعلى الرغم من تغيير المفاهيم عالمياً حول دور الأب في الأسرة بشكل عام، وفي حياة الأبناء وتربيتهم بشكل خاص، وذلك حسب ثقافة المجتمع ومعتقداته وتطوره، إلا أن هناك مفهوماً مشتركاً بينهم يقوم على المبدأ الإنساني للأب، فالأب في أي مجتمع يعتبر العمود الفقري للأسرة، هو القائد المرشد والموجه وهو الحامي والحاضن والصديق.
لكن في بعض المجتمعات يختلف دور الأب في التفاصيل وأسلوب التعامل التربوي مع الأبناء، ففي المجتمعات التقليدية والمحافظة مثلاً: يعتبر مصدر الحماية الأول ومصدر الأمان النفسي والجسدي، يقدم نموذجاً للأبناء الذكور حول الرجولة المسؤولة من صغرهم.
وللإناث حول طريقة التعامل مع الذكور ومع الآخرين، لكن في ظل التغير السريع للحياة الاجتماعية وللمجتمع بشكل عام وما يساق من الافكار الثقافية المعاصرة، يواجه الأب صراعاً نفسياً بين تمسكه بالعادات والقيم التقليدية والمحافظة عليها، وبين تطلعات الأبناء للحرية في أفكارهم والشغف للاستقلالية وخاصة أن دور الأم في الأسرة قد تغير أيضاً، كالعمل وكثرة المسؤوليات لديها ومع رفض الأب تحمل المسؤولية معها من منطق ذكوري.
كل هذا يسبب فجوة جيلية واضطرابات في العلاقة بين الآباء والأبناء والانعكاس الأكبر في مرحلة مبكرة من حياتهم والتي قد تستمر معهم للكبر، وهذا ما يسمى بصراع الأجيال.

برقاوي: حضور الأب الإيجابي المحفّز يبقى مصدر إلهام مستمراً يدفع الطفل إلى تنظيم مشاعره ويدعم ويحسّن طاقاته
غياب الأب
ولفتت برقاوي إلى أن غياب الأب نفسياً في حياة الأبناء وضعفه في اتخاذ موقف إيجابي تجاههم، وكما ذكر سابقاً في المرحلة المبكرة من حياة الأولاد تؤدي إلى ضعف الثقة تجاه الأب لعدم تفهم حاجات الأبناء النفسية والاجتماعية والعاطفية وحتى المعرفية. وهذا ما يزيد احتمالات السلوك العدواني أو الانعزالية والانطواء وخاصة عند الإناث.
وهنا كان السؤال لبرقاوي، كيف يمكن للأب تفادي هذه الفجوة بينه وبين الأبناء لبناء شخصية متوازنة وهوية إيجابية تصبغ شخصيته الطفل من الاساس؟
في البدء على الأب أن يطور نفسه وفكره حسب متطلبات العصر والحياة الإيجابية للأبناء بطريقة واعية لحاجاتهم الاساسية واعتماداً على المبادئ الإنسانية والقيم الأخلاقية وبتفاعل فعال مع كل ما هو إيجابي في محيطه الاجتماعي بدءاً من أسرته إلى ثقافة وقيم والمعتقدات الإنسانية السائدة في مجتمعه.
كذلك اعتماد التواصل الإيجابي والحوار المفتوح مع الأبناء ومراعاة خصوصية الإناث لتفهم حاجاتهم النفسية والوجدانية والعاطفية وحتى المعرفية، ليتمكنوا من التوافق الاجتماعي مع الاسرة ومع البيئة الاجتماعية من حولهم، فحضور الأب الإيجابي المحفز يبقى مصدر إلهام مستمراً يدفع الطفل إلى تنظيم مشاعره ويدعم ويحسن طاقاته للنجاح المعرفي والمهاراتي والسلوكي وبناء شخصية قادرة على التمييز بين الخطأ والصواب.
كما أن قضاء وقت جيد للأب مع أطفاله يعطي الكثير من الشعور باهتمامه، الشعور بمسؤوليته، الشعور بالحب، وهو الأهم بما يحتاجه الأبناء.