الطبقة الوسطى بين الفقر وهجرة الكفاءات.. من يدفع الثمن؟

مدة القراءة 3 دقيقة/دقائق

الحرية – آلاء هشام عقدة:

لم يعد السؤال في سوريا هل تآكلت الطبقة الوسطى؟، بل: ماذا يحدث لمجتمع تتآكل فيه طبقته الوسطى؟
هذه الطبقة التي شكّلت لعقود صمّام أمان اجتماعي، ومخزون الكفاءات المهنية، وقاعدة الاستقرار الأسري، تجد نفسها اليوم بين حدّين قاسيين الفقر من جهة، والهجرة من جهة أخرى.
الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد يضع الإصبع على الجرح حين يؤكد أن سنوات الحرب أضعفت البنية الإنتاجية، وأخرجت آلاف المنشآت من الخدمة، ما أدى إلى خسارة واسعة لفرص العمل، وانخفاض مباشر في القوة الشرائية، لكن المسألة لم تتوقف عند توقف المعامل.
التضخم، وتراجع سعر الصرف، وركود الدخل، كلها اجتمعت لتضغط على الفئات التي كانت تعتمد على الرواتب الثابتة أو الأعمال الحرة، ومع اتساع الفجوة بين الأجر وتكلفة المعيشة، بدأت المدخرات تُستهلك بصمت.

حين لا تكفي الرواتب لأيام

يشير محمد في تصريحه لـ”اللحرية” إلى أن أجور القطاع العام خلال سنوات طويلة لم تكن تكفي لتغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة لأكثر من أيام معدودة، فيما تراجعت أجور القطاع الخاص تحت ضغط التضخم، هنا لم يعد الانتماء للطبقة الوسطى مرتبطاً بالمهنة، بل بالقدرة على الصمود.
مهندس، طبيب، مدرس… ألقاب لم تعد تضمن استقراراً اقتصادياً كما في السابق.

قرار اقتصادي أم اجتماعي؟

الكتلة الأساسية من أبناء الطبقة الوسطى  من مهنيين وأصحاب اختصاص شكّلت العمود الفقري لموجات الهجرة حتى نهاية 2023.
هذه الهجرة لم تكن فقط بحثاً عن دخل أعلى، بل عن بيئة مستقرة تحفظ الكرامة المهنية.
والنتيجة، تراجع في جودة الخدمات، ضغط إضافي على من بقي، واتساع الفجوة بين العرض والطلب في قطاعات حساسة كالصحة والتعليم.

معادلة أمان

قبل الحرب، كان معيار الطبقة الوسطى واضحاً.. مسكن، تعليم جيد، رعاية صحية، وقليل من الادخار، اليوم، تغيرت المعادلة.
الفجوة بين الدخل والنفقات الأساسية اتسعت إلى حد بات فيه الحفاظ على هذا التوازن تحدياً يومياً، في وقت تشير تقديرات دولية إلى أن نسبة واسعة من السوريين باتت تحت خط الفقر.
هل يمكن استعادتها؟ بحسب محمد، فإن إعادة إحياء الطبقة الوسطى لا تتم بالشعارات، بل عبر: إعادة تنشيط الإنتاج الصناعي والاستثماري، إيجاد فرص عمل حقيقية، رفع الأجور بما يتناسب مع الأسعار، دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتفعيل شبكات الأمان الاجتماعي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكفي هذه الإجراءات دون استقرار اقتصادي طويل الأمد يعيد الثقة إلى السوق والعمل؟.. لماذا يجب أن يقلق الجميع؟
يجيب محمد: الطبقة الوسطى ليست شريحة استهلاكية فقط، بل هي المحرك الأساسي للطلب الداخلي، والاستقرار الاجتماعي، والتوازن بين الطبقات.
ضعفها يعني هشاشة في البنية الاجتماعية، واتساعاً في فجوة الدخل، وارتفاعاً في احتمالات الاضطراب الاقتصادي.
يختم محمد بالتأكيد أن خسارة هذه الفئة — سواء بالانزلاق نحو الفقر أو عبر الهجرة — تمثل خسارة مركبة للاقتصاد الوطني، لأن المجتمعات التي تفقد طبقتها الوسطى تفقد معها قدرتها على التعافي السريع.

Leave a Comment
آخر الأخبار