الحرية- آلاء هشام عقدة :
مع تصاعد التوتر العسكري في المنطقه تتزايد المخاوف من انزلاقها إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود الطرفين لتؤثر في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية.
وفي حال توسع الصراع فإن تداعياته لن تقتصر على الدول المنخرطة مباشرة في المواجهة بل ستمتد إلى عدد كبير من دول المنطقة ومن بينها سوريا التي تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية حادة وتراجع في الإنتاج والموارد.
منعكسات اقتصادية
وأوضح الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال في حديثه لـ”الحرية” أن أحد أبرز مصادر القلق يرتبط باحتمال تعطل الملاحة في مضيق هرمز الذي يُعد من أهم الممرات الاستراتيجية لنقل الطاقة في العالم. فالمضيق تمر عبره يومياً ما يقارب 20 إلى 21 مليون برميل من النفط ومشتقاته أي نحو خُمس تجارة النفط العالمية إضافة إلى أكثر من ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال. وأي اضطراب في حركة السفن أو ارتفاع في المخاطر الأمنية قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع بشكل حاد وقد تتجاوز الأسعار 120 دولاراً للبرميل و ربما تقترب من 150 دولاراً في حال حدوث تصعيد عسكري كبير أو تعطّل فعلي للملاحة.
ولا يقتصر التأثير المحتمل على أسعار الطاقة فحسب بل يمتد أيضاً إلى تكاليف الشحن والتأمين البحري التي غالباً ما ترتفع بسرعة في أوقات الأزمات الجيوسياسية. هذا الارتفاع سينعكس بدوره على أسعار السلع والمواد الأولية في مختلف دول المنطقة، خاصة تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد.
موجة تضخم
وأضاف دكتور رحال بالنسبة إلى الاقتصاد السوري فإن المخاطر لا تتعلق فقط بارتفاع أسعار النفط بل أيضا بإمكانية اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين. فمعظم الواردات السورية سواء من الوقود أو القمح أو المواد الأولية تعتمد بشكل أساسي على النقل البحري. ولذلك فإن أي زيادة في تكاليف الشحن ستنعكس مباشرة على الأسعار المحلية ما قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة في الأسواق.
و تفيد التقديرات أن استهلاك سوريا من المشتقات النفطية يتراوح بين 120 و 150 ألف برميل يومياً بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي حالياً جزءاً محدوداً من هذه الكميات. وقبل عام 2011 كانت البلاد تنتج نحو 380 ألف برميل من النفط يومياً إضافة إلى كميات مهمة من الغاز الطبيعي كانت تُستخدم في تشغيل محطات الكهرباء. هذا التراجع الكبير في الإنتاج جعل الاقتصاد أكثر اعتماداً على الواردات في تأمين احتياجات الطاقة.
خطوات إسعافية
ونوه رحال بأنه في ظل هذه المعطيات تبدو الحاجة ملحة إلى تبني خطة اقتصادية إسعافية تقوم على مجموعة من الإجراءات السريعة لتخفيف أثر أي صدمة محتملة.
ومن أولى هذه الخطوات تتعلق بتعزيز أمن الطاقة. فمن الضروري العمل على زيادة المخزون الاستراتيجي من الوقود والغاز إلى الحد الأقصى بما يسمح بتغطية عدة أشهر في حال حدوث اضطرابات في الإمدادات. كما يمكن السعي إلى إبرام ترتيبات قصيرة الأجل مع الدول الموردة لتأمين كميات إضافية قبل تفاقم الأزمة. في الوقت نفسه ينبغي إعادة تنظيم توزيع الوقود بحيث تعطى الأولوية لقطاعات الكهرباء والنقل العام والإنتاج الزراعي والصناعي.
أما على صعيد الإنتاج المحلي فإن أي زيادة في إنتاج النفط أو الغاز و لو كانت محدودة يمكن أن تساعد في تخفيف الضغط على الاستيراد. ويتطلب ذلك إعادة تأهيل بعض الحقول والبنية التحتية النفطية حيثما أمكن بالإضافة إلى تحسين كفاءة استخدام الغاز المحلي في توليد الكهرباء.
وأشار رحال أيضاً إلى أن من التحديات التي قد تتفاقم أيضاً مسألة استقرار سعر الصرف. فالتوترات الإقليمية غالباً ما تؤدي إلى زيادة المضاربات في سوق العملات ما يضغط على العملة المحلية ويرفع أسعار السلع. لذلك يصبح من الضروري أن يتدخل المصرف المركزي عند الحاجة للحد من التقلبات الحادة، بالتوازي مع تشديد الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار أو الارتفاع غير المبرر في أسعار المواد الأساسية.
الأمن الغذائي يشكل بدوره محوراً أساسياً في أي خطة طوارئ. فالتوترات الجيوسياسية قد تؤثر في حركة التجارة العالمية للحبوب، خصوصاً في ظل تقلبات أسعار الشحن والطاقة. ولهذا ينبغي العمل على تعزيز المخزون الاستراتيجي من القمح والمواد الغذائية الأساسية. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الاستهلاك السنوي من القمح في سوريا يتراوح بين 2.5 و 3 ملايين طن ما يجعل تأمين هذه الكميات أولوية قصوى في أوقات الأزمات.
كما أن دعم الإنتاج الزراعي المحلي يمكن أن يلعب دوراً مهماً في تخفيف الضغط على الاستيراد و ذلك عبر توفير الوقود والأسمدة والبذور بأسعار مدعومة وتشجيع المزارعين على زيادة المساحات المزروعة.
مضيفاً أنه في حال تأثرت حركة الملاحة البحرية في المنطقة يصبح من الضروري التفكير في تنويع طرق التجارة. ويمكن في هذا الإطار تعزيز النقل البري مع الدول المجاورة لتأمين جزء من الواردات الأساسية. كذلك فإن تحسين كفاءة الموانئ السورية وتسريع الإجراءات الجمركية يمكن أن يسهم في تقليل زمن التخليص وتكاليف الاستيراد.
وشدد رحال على أن القطاعات الاقتصادية الأكثر عرضة للضرر تحتاج أيضاً إلى إجراءات داعمة. فارتفاع أسعار الوقود سينعكس مباشرة على قطاع النقل والشحن، ما قد يؤدي إلى زيادة تكاليف نقل السلع داخل البلاد. لذلك يمكن التفكير في تقديم دعم مؤقت لهذا القطاع لتجنب انتقال الارتفاعات بشكل كبير إلى أسعار السلع الأساسية. كما يمكن منح تسهيلات ضريبية أو مصرفية للقطاع الصناعي والتجاري، خصوصاً للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، بهدف الحفاظ على النشاط الاقتصادي.
ومن الإجراءات المهمة كذلك العمل على ترشيد استهلاك الطاقة وإدارة الطلب سواء في المؤسسات الحكومية أو في القطاع الخاص. فخفض الهدر في استهلاك الكهرباء والوقود يمكن أن يوفر كميات مهمة من الطاقة في أوقات الأزمات
غرفة طوارئ
ولضمان سرعة الاستجابة للتطورات المتسارعة قد يكون من المفيد إنشاء غرفة طوارئ اقتصادية تضم ممثلين عن وزارات الاقتصاد والطاقة والمالية والتجارة إضافة إلى المصرف المركزي. وتكون مهمتها متابعة تطورات الأسواق العالمية بشكل يومي ولا سيما أسعار النفط وتكاليف الشحن و اتخاذ قرارات سريعة عند الحاجة.
وختم رحال حديثه بأنه على الرغم أن سوريا ليست طرفاً مباشراً في الصراع الحاصل إلا أن اقتصادها يبقى شديد الحساسية لأي اضطراب في أسواق الطاقة والتجارة العالمية. لذلك فإن الاستعداد المبكر عبر إجراءات اقتصادية مدروسة قد يخفف من حجم الصدمة المحتملة، ويساعد على الحفاظ على قدر من الاستقرار الاقتصادي في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد.