صديقان على ضفة الذاكرة.. أيمن زيدان وجمال سليمان يفتحان دفاتر الحلم والذكريات

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- ميسون شباني:

هناك حوارات تُجرى لتوثيق محطة أو استعادة ذكرى، وهناك لقاءات تتحول إلى مرآة لجيل كامل، هكذا بدا اللقاء الذي جمع الفنانين السوريين جمال سليمان وأيمن زيدان في أربيل، لقاءٌ بدأ بين صديقين جمعتهما مقاعد الدراسة وأحلام البدايات، وانتهى إلى حكاية طويلة عن الفن والحياة والوطن والغياب.

لم يكن أيمن زيدان يحاور جمال سليمان بقدر ما كان يستعيد معه رحلة عمر امتدت قرابة نصف قرن، وبين سؤال وآخر، كانت السنوات تتدفق بكل ما حملته من أحلام وانتصارات وخسارات وحنين، حتى بدا المشهد وكأن رجلين يجلسان على ضفة الذاكرة، يتأملان الطريق الذي سارا فيه معاً منذ الشباب الأول.

عندما كان الحلم أكبر من الحياة

عاد الاثنان إلى دمشق أواخر سبعينيات القرن الماضي، إلى الأيام الأولى للمعهد العالي للفنون المسرحية، حين كانت الموهبة وحدها لا تكفي، وكان الحلم يحتاج إلى قدر كبير من الجرأة كي يولد.

تذكر جمال سليمان ليلة قبوله في المعهد، تلك الليلة التي لم يغمض له فيها جفن من فرط الحماسة والخوف، أما أيمن زيدان فاستعاد صورة جيل كامل جاء من محافظات سورية مختلفة، يحمل أحلاماً كبيرة وإمكانات متواضعة، لكنه كان يؤمن بأن الفن يستحق المغامرة.

كانت تلك البدايات، كما وصفها الرجلان، زمن الشغف الخالص، قبل أن تصبح الشهرة هدفاً، وقبل أن تتحول المهنة إلى صناعة واسعة، كان أقصى ما يحلم به الطالب آنذاك أن يكون ممثلاً جيداً، وأن ينجح في الوقوف على خشبة المسرح بصدق.

أبناء البيوت البسيطة

في أكثر من محطة، عاد الحديث إلى العائلة، إلى الآباء والأمهات الذين لم يفهم كثير منهم معنى أن يختار أبناؤهم دراسة التمثيل.

يروي جمال سليمان بحنين واضح كيف كان والده يحلم له بمستقبل أكثر استقراراً، وكيف بدا قرار دراسة المسرح أشبه بمغامرة غير مفهومة بالنسبة للعائلة، لكن السنوات، والعروض المسرحية، وتصفيق الجمهور، ثم ظهور الابن على الشاشة، جعلت ذلك القلق يتحول شيئاً فشيئاً إلى فخر واعتزاز.

وكان واضحاً أن الرجل، رغم كل ما حققه لاحقاً، ما زال يتحدث عن تلك اللحظات الأولى بامتنان الابن الذي لم ينسَ الطريق الطويل الذي قطعه كي يقنع أهله بحلمه.

جيل كان يطارد المعرفة

بين ضحكات الذكريات وطرائف الدراسة، توقفت الجلسة طويلاً عند جانب آخر من الحكاية: الثقافة.

يتفق الصديقان على أن جيلهما لم يدخل الفن بحثاً عن الأضواء، كانت الكتب جزءاً من الحياة اليومية، وكانت المنافسة الحقيقية تدور حول المعرفة بقدر ما تدور حول الأدوار.

استعادا معاً أيام البحث عن المراجع النادرة، وسباقات الوصول إلى المكتبات، والنقاشات الطويلة حول المسرح والفلسفة والأدب، بالنسبة لهما، لم يكن الممثل مجرد شخص يؤدي دوراً، بل إنساناً يحمل رؤية وثقافة وتجربة حياة.

الشغف الذي أنقذ الجميع

وحين وصل الحديث إلى السؤال الأهم: كيف نجح هذا الجيل في الاستمرار رغم كل الصعوبات؟ جاء الجواب بسيطاً ومؤثراً في آن واحد: الشغف.

ذلك الشغف الذي جعلهم ينامون في المسارح، ويتحملون ظروف تصوير قاسية، ويعملون ساعات طويلة بأجور متواضعة، دون أن يفقدوا إيمانهم بما يفعلون.

كان واضحاً أن الرجلين لا ينظران إلى تلك السنوات بوصفها زمناً من المعاناة فقط، بل بوصفها الزمن الذي صنعهما، الزمن الذي اختبر صدق الرغبة في الفن، وفرز بين من أحب المهنة حقاً ومن أحب ما تمنحه من شهرة.

حين صار الغياب وجهاً آخر للحنين

ومع انتقال الحديث إلى السنوات الأخيرة، أخذ الحوار منحى أكثر هدوءاً وألماً،

تحدث جمال سليمان عن سنوات الابتعاد عن سوريا، لا بلغة السياسة، بل بلغة الابن الذي حُرم من وداع والديه كما كان يتمنى، والصديق الذي ابتعد عن تفاصيل حياته الأولى، والإنسان الذي ظل يحمل مدينته معه أينما ذهب.

في تلك اللحظات، بدا الحنين بطلاً خفياً للحوار، حنين إلى البيوت القديمة، وإلى الأصدقاء، وإلى الأيام التي كانت تبدو عادية قبل أن تصبح ذكرى بعيدة.

الفن الذي يجمع ولا يفرّق

وربما كانت أجمل ما في هذا اللقاء تلك القناعة المشتركة التي ظل الرجلان يعودان إليها مراراً: أن الفن كان دائماً مساحة للقاء، فالدراما السورية، كما يريان، لم تكن مجرد أعمال ناجحة، بل كانت نافذة تعرّف السوريين إلى بعضهم البعض، وتجمع المدن والقرى والبيئات المختلفة داخل حكاية واحدة.

ومن هنا جاء إيمانهما بأن الفن قادر، كما كان دائماً، على أن يساهم في ترميم ما كسرته السنوات، وأن يبقي مساحة مشتركة للحوار والذاكرة والانتماء.

Leave a Comment
آخر الأخبار