الحرية- سامر اللمع:
تُعد منطقة الخليج العربي إحدى أهم مناطق إنتاج وتصدير الطاقة في العالم، ما يجعل أي صراع عسكري واسع فيها ذا تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي.
ومع تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت أسواق النفط والغاز تشهد تقلبات حادة، مدفوعة بالمخاوف من اضطراب الإمدادات وتهديد طرق النقل الحيوية للطاقة.
أهمية إيران في سوق الطاقة العالمي
تشير أرقام موقع «Business Today» إلى أن إيران تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، حيث تبلغ احتياطياتها المؤكدة نحو 208–209 مليارات برميل، أي ما يقارب 12% من الاحتياطي العالمي.
ويبلغ إنتاجها النفطي حوالي 3.3 إلى 3.5 ملايين برميل يومياً من النفط الخام، إضافة إلى نحو 1.3 مليون برميل يومياً من المكثفات، ما يمثل نحو 4.5% من الإمدادات النفطية العالمية.
وعلى الرغم من العقوبات الغربية المفروضة عليها منذ سنوات، فإن إيران ما تزال لاعباً مؤثراً في توازن العرض والطلب في السوق النفطية، خصوصاً في آسيا التي تستورد جزءاً كبيراً من صادراتها.
مضيق هرمز.. نقطة الاختناق في النظام النفطي العالمي
يكمن الخطر الأكبر للحرب في تهديد مضيق هرمز، الذي يُعد أهم ممر بحري للطاقة في العالم، فحوالي 20 مليون برميل من النفط يومياً تمر عبر المضيق، وهو ما يمثل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للنفط وقرابة 27% من تجارة النفط البحرية العالمية.
كما يمر عبر المضيق نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ما يجعله شرياناً حيوياً ليس فقط للنفط بل أيضاً للغاز.
وأي تعطيل لهذا الممر –حتى لو كان مؤقتاً– يمكن أن يؤدي إلى اضطراب كبير في الإمدادات العالمية، نظراً لعدم وجود طرق بديلة قادرة على تعويض هذه الكميات بسرعة.
ارتفاع أسعار النفط والغاز
مع تصاعد العمليات العسكرية في منطقة الخليج العربي، شهدت أسعار النفط قفزة حادة، حيث تجاوز سعر خام برنت 107 دولارات للبرميل بينما وصل خام غرب تكساس إلى 106 دولارات، بزيادة تقارب 16% خلال يوم واحد.
كما ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا من نحو 30 يورو لكل ميغاواط ساعي إلى أكثر من 60 يورو خلال أيام قليلة قبل أن تستقر عند مستويات مرتفعة نسبياً.
هذه القفزات السعرية تعكس ما يسمى في الاقتصاد بـ«علاوة المخاطر الجيوسياسية»، حيث تقوم الأسواق بتسعير احتمالات نقص الإمدادات حتى قبل حدوثه فعلياً.
تأثيرات مباشرة على الاقتصاد العالمي
ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس سريعاً على معدلات التضخم والنمو الاقتصادي، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10% يمكن أن يزيد التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية ويخفض النمو العالمي بين 0.1 و0.2 نقطة مئوية.
كما أن الدول الصناعية الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي واليابان والصين تعد الأكثر تأثراً، لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة، وتشير تقديرات حديثة إلى أن بعض الاقتصادات الأوروبية قد تشهد انخفاضاً في نمو الناتج المحلي بنحو 0.2% نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة.
وتؤدي هذه الزيادة في التكاليف إلى ارتفاع أسعار النقل والصناعة والغذاء، ما يضغط على القدرة الشرائية للمستهلكين ويبطئ النشاط الاقتصادي.
ولم يقتصر تأثير الحرب على الأسعار فقط، بل شمل الإنتاج أيضاً، فعلى سبيل المثال انخفض إنتاج العراق من نحو 4.3 ملايين برميل يومياً إلى حوالي 1.3 مليون برميل يومياً بسبب اضطرابات النقل والتخزين المرتبطة بإغلاق طرق الشحن.
كما تواجه شركات الشحن والتأمين تكاليف إضافية نتيجة المخاطر الأمنية في الخليج، الأمر الذي يزيد تكلفة نقل الطاقة والسلع عالمياً.
تسريع التحول نحو الطاقة البديلة
تاريخياً، تؤدي أزمات النفط الكبرى إلى دفع الدول المستوردة للطاقة نحو تنويع مصادرها، وقد يدفع استمرار الصراع الدول الصناعية إلى تسريع الاستثمارات في الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة لتقليل الاعتماد على النفط القادم من المناطق المضطربة سياسياً.
غير أن هذا التحول يتطلب استثمارات ضخمة ووقتاً طويلاً، ما يعني أن الاقتصاد العالمي سيظل في المدى المنظور عرضة لتقلبات أسواق النفط.
باختصار، تظهر الأرقام أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران لا تمثل مجرد صراع إقليمي، بل تهديداً مباشراً لاستقرار النظام العالمي للطاقة، فمع مرور نحو خُمس النفط العالمي عبر مضيق هرمز وإنتاج إيران ملايين البراميل يومياً، فإن أي اضطراب طويل الأمد قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وزيادة التضخم، وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي. ولذلك يبقى استقرار منطقة الخليج أحد أهم العوامل التي تحدد مستقبل الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.