الحرية- رشا عيسى:
تتجه الأنظار في أسواق الطاقة العالمية إلى التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي اتساع رقعة التوتر إلى اضطراب في إمدادات النفط والغاز، خصوصاً إذا طالت التداعيات حركة الملاحة أو صادرات الطاقة من منطقة الخليج.
ويرى الباحث الاقتصادي الدكتور سامر رحال أن هذه المخاوف تأتي في وقت يشهد فيه سوق الغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المسال منافسة حادة بين الدول المستوردة، حيث تسعى الاقتصادات الكبرى، ولاسيما في آسيا وأوروبا، إلى تأمين احتياجاتها من الإمدادات وسط تقلبات جيوسياسية متزايدة.
وبالنسبة لسوريا، تكتسب هذه التطورات حساسية مضاعفة، في ظل الوضع الهش الذي يمر به قطاع الطاقة بعد سنوات طويلة من الحرب، وما رافقها من تراجع في الإنتاج المحلي وتضرر أجزاء واسعة من البنية التحتية النفطية والغازية.

تراجع الإنتاج المحلي
تعتمد سوريا بشكل كبير على الغاز الطبيعي لتشغيل محطات توليد الكهرباء، ما يجعل توفره عاملاً حاسماً في استقرار التغذية الكهربائية في البلاد.
ويشير الدكتور رحال في حديث لـ”الحرية” إلى أن إنتاج الغاز المحلي شهد تراجعاً واضحاً مقارنة بمستوياته قبل عام 2011، نتيجة خروج عدد من الحقول عن السيطرة لفترات طويلة، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بمنشآت الإنتاج وخطوط النقل، فضلاً عن محدودية الاستثمارات في عمليات الصيانة والتطوير خلال سنوات الحرب.
ومع استمرار هذه العوامل، لم يعد الإنتاج المحلي قادراً على تلبية احتياجات محطات التوليد، ما دفع الحكومة إلى اللجوء إلى بدائل متعددة لتأمين الوقود اللازم، سواء عبر الاستيراد أو عبر زيادة الاعتماد على الفيول والمازوت لتشغيل بعض المحطات.
سوق الغاز العالمي
في حال تصاعد التوترات الإقليمية وتأثر تدفقات الطاقة من الخليج، يرجح أن تشهد الأسواق العالمية ارتفاعًا في أسعار الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب اشتداد المنافسة على الشحنات المتاحة.
ويؤكد الدكتور سامر رحال أن الأسواق في مثل هذه الظروف تميل إلى تفضيل المشترين ذوي القدرة المالية الأكبر والعقود طويلة الأجل، وهو ما يضع الدول ذات الإمكانات المحدودة في موقع أكثر هشاشة في تأمين احتياجاتها من الطاقة.
وبالنسبة لسوريا، فإن أي ارتفاع كبير في أسعار الغاز أو صعوبة في الحصول على الإمدادات قد ينعكس مباشرة على قدرة قطاع الكهرباء في الحصول على الوقود اللازم للتشغيل.
الكهرباء تحت ضغط إضافي
يعاني قطاع الكهرباء في سوريا أصلاً من فجوة كبيرة بين القدرة الإنتاجية والطلب الفعلي على الطاقة، ويرتبط جزء كبير من هذه الفجوة بنقص الوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد.
ويحذر الدكتور سامر رحال من أنه في حال ارتفاع أسعار الغاز أو تقلص الكميات المتاحة للاستيراد، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة ساعات التقنين الكهربائي، الأمر الذي ينعكس بدوره على النشاط الاقتصادي بشكل عام.
فالقطاع الصناعي يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار إمدادات الكهرباء، كما أن اضطرابها يرفع تكاليف الإنتاج والنقل ويؤثر في أسعار العديد من السلع والخدمات، ما يضيف ضغوطاً جديدة على الاقتصاد المحلي.
ترتيب أولويات الطاقة
ورغم التحديات التي تفرضها التطورات الإقليمية، يرى الباحث الاقتصادي الدكتور سامر رحال أن هذه الظروف قد تشكّل أيضاً دافعاً لإعادة التفكير في بنية قطاع الطاقة في سوريا.
فالتقلبات في أسواق الطاقة العالمية تبرز الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على مسار واحد لتأمين الوقود، إضافة إلى تسريع عمليات إعادة تأهيل حقول الغاز المحلية بهدف رفع مستويات الإنتاج تدريجياً خلال السنوات المقبلة.
كما أن جذب استثمارات جديدة في قطاع النفط والغاز يمكن أن يلعب دوراً مهماً في استعادة جزء من القدرات الإنتاجية التي فقدها القطاع خلال سنوات الحرب.
الطاقة المتجددة
في موازاة ذلك، تبرز الطاقة المتجددة، ولاسيما الطاقة الشمسية، كخيار متزايد الأهمية في تخفيف الضغط على منظومة الكهرباء.
ويشير الدكتور رحال إلى أن الموقع الجغرافي لسوريا يوفر إمكانات جيدة لتطوير مشاريع الطاقة الشمسية، سواء على مستوى المشاريع الكبرى أو أنظمة التوليد الصغيرة، وهو ما يمكن أن يسهم تدريجياً في تقليل الاعتماد على الوقود التقليدي.
إلى جانب ذلك، فإن تحسين كفاءة استخدام الطاقة وتقليل الهدر في شبكات النقل والتوزيع يمكن أن يوفر كميات مهمة من الوقود ويخفف من حدة الأزمة.
مرحلة مفصلية لقطاع الطاقة
في المحصلة، يوضح الباحث رحال أن التطورات الجيوسياسية في المنطقة تضع قطاع الطاقة في سوريا أمام مرحلة دقيقة، فإما أن تؤدي هذه المتغيرات إلى تعميق الأزمة القائمة، أو أن تتحول إلى عامل ضغط يدفع باتجاه تسريع الإصلاحات الضرورية في هذا القطاع الحيوي.
ويضيف إن قدرة السياسات الاقتصادية على التكيّف مع تقلبات أسواق الطاقة العالمية، وسرعة اتخاذ خطوات عملية لتطوير مصادر الطاقة المحلية، ستبقى عاملين حاسمين في تحديد مسار قطاع الكهرباء والاقتصاد السوري خلال السنوات المقبلة.