الحرية- ميمونة العلي:
في خطوة عملية على طريق تطبيق العدالة الانتقالية في سوريا، أعلنت مديرية إعلام حمص عن تسليم المبنى المخصص لعمل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في مدينة حمص، ليكون بذلك أول مركز للهيئة يفتتح خارج العاصمة دمشق.
وجرت مراسم التسليم بحضور رئيس الهيئة عبد الباسط عبد اللطيف ومدير الشؤون السياسية عبيدة الأرناؤوط، حيث أوضحت المديرية أن المقر سيخضع لأعمال صيانة قبل البدء الرسمي بالعمل، على أن يضم لاحقاً مؤسسات العدالة الانتقالية المختلفة.
حمص: رمزية وطنية ونقطة بداية ملائمة
وفي تصريح خاص لـ”الحرية”، كشف مدير العلاقات في الإدارة السياسية بحمص أحمد الخالد عن أسباب اختيار حمص لتكون أول مقر للهيئة خارج العاصمة أن محافظة حمص من أكثر مراكز المحافظات السورية التي نالت منها يد الإجرام، وهي مدينة تحمل رمزية خاصة في الوجدان الوطني بوصفها مركزاً للتنوع وموطناً لتجارب إنسانية مؤلمة تركت بصمتها على المجتمع السوري بأكمله.

وأضاف الخالد: انطلاقاً من هذه الرمزية، يشكّل اختيار حمص نقطة بداية ملائمة لمسار العدالة الانتقالية، نظراً لما شهدته من انتهاكات واسعة تستوجب معالجة مؤسسية تُسهم في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز الروابط بين مكوّناتها الاجتماعية المختلفة.
وأوضح الخالد أن افتتاح أول فرع للهيئة خارج دمشق يمثل خطوة عملية تهدف إلى تمكين الأهالي من تقديم الشكاوى والإفادات مباشرة، وتخفيف أعباء السفر، بما يتيح الوصول إلى الحقيقة وجبر الضرر، مؤكداً أن الاعتراف بما جرى في حمص يُعدّ جزءاً من صياغة ذاكرة وطنية مشتركة، وإطاراً ضرورياً لتحقيق سلام مستدام.
العدالة الانتقالية كمشروع وطني شامل
ولفت الخالد إلى أن العدالة الانتقالية تستند إلى رؤية وطنية شاملة تتجاوز الإجراءات القانونية البحتة، لتشكل مشروعاً وطنياً ومجتمعياً يهدف إلى بناء مستقبل قائم على الإنصاف والمساءلة وعدم تكرار الانتهاكات. وأكد أن تنفيذ هذا المشروع يتطلب تعاوناً كاملاً من مؤسسات الدولة، مع ضمان استقلالية الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وقدرتها على أداء مهامها وتنفيذ قراراتها بفعالية.
الإطار القانوني وآليات العمل
وأوضح الخالد أن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أُنشئت بموجب المرسوم التشريعي رقم 20 الصادر بتاريخ 17 أيار 2025، ما يمنحها إطاراً قانونياً واضحاً وصلاحيات محددة، وتندرج مهامها ضمن الآليات غير القضائية، عبر لجان متخصصة تشمل:
– لجنة كشف الحقيقة.
– لجنة المساءلة والمحاسبة.
– لجنة جبر الضرر والتعويض.
– لجنة الذاكرة الوطنية وتخليد الذكرى.
– لجنة الإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار.
– لجنة السلم الأهلي والمصالحة الوطنية.
متطلبات النجاح وضمانات الحياد
وكشف الخالد أن تأهيل الكوادر وتوفير البنية التقنية يُعد شرطاً أساسياً لتمكين هذه اللجان من أداء مهامها، مؤكداً أن الهيئة تولي أهمية خاصة لمبدأ الحياد، بما في ذلك اختيار موقع مقرّها في حمص ضمن منطقة محايدة تعزز الثقة بعملها وتضمن استقلاله عن أي ضغوط اجتماعية.
وشدد الخالد على أن نجاح عمل الهيئة يتطلب توفير بيئة مناسبة لجلسات الاستماع، وأرشفة الملفات، وضمان الخصوصية، إضافة إلى تقديم خدمات الدعم النفسي والقانوني، وتمكين المواطنين من الإدلاء بإفاداتهم وتوثيق الوقائع في إطار مؤسسي آمن.
المقر الجديد: رمزية المكان وانطلاقة المستقبل
واختتم الخالد تصريحه بالإشارة إلى أن توفير مقرّ ملائم خطوة أساسية في تحويل المكان ذاته إلى رمز للاعتراف بالمعاناة، وإلى منصة لمواجهة الماضي وفق أسس قانونية ومؤسسية، تمهيداً لبناء مستقبل قائم على المصالحة الوطنية، وجبر الضرر، وترسيخ ضمانات عدم التكرار.