الحرية – رانيا يوسف علي:
أصبح الذكاء الاصطناعي في عام 2026، قادراً على تشخيص بعض الأمراض بدقة قد تفوق الأطباء البشريين، وبات الملايين يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي كـ«طبيب أول» قبل الذهاب إلى المستشفى، لكن ما ثمن هذه الثورة؟.. وقد تبدو لها أخطاء قاتلة، وتشخيصات خاطئة، وعلاقات متوترة بين المريض وطبيبه الحقيقي.
وهنا نورد هذا المثال البسيط قبل الدخول بالموضوع، «في غرفة الطوارئ بأحدى المشافي، دخلت امرأة ومعها نتيجة فحص أظهرت وجود ورم، وقبل أن يقول الطبيب أي شيء، قالت له: أن «شات جي بي تي» قال لها إنه ورم حميد، صمت الطبيب قليلاً، ليكتشف لاحقاً أن الذكاء الاصطناعي أصاب، هذه حالة، ولكن في حالات أخرى، لا يكون الخطأ بهذه البراءة، فإن كان هناك تقارير طبية حديثة تؤكد أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي أنقذت أرواحاً بتشخيصها المبكر لأمراض استعصت على الأطباء، لكنها بنفس الوقت تسببت بوفيات بسبب تشخيصات خاطئة أو تأخر في طلب المساعدة.
تشخيص الأمراض النادرة
وفي هذا السياق كشفت دراسة نشرتها مجلة «نيتشر» العلمية المرموقة، في شباط الماضي عن نظام ذكاء اصطناعي جديد باسم «ديب رير» DeepRare، قالت أن هذا النظام قادر على تشخيص الأمراض النادرة بدقة استثنائية.

ووفقاً للدراسة التي أُجريت على أكثر من 6 آلاف حالة سريرية من 8 مستشفيات في آسيا وأمريكا الشمالية وأوروبا، شملت 2919 مرضاً نادراً في 14 تخصصاً طبياً، حقق النظام دقة تشخيصية بلغت 69.1% في الحالات التي جمعت بين الأعراض السريرية والبيانات الجينية، متفوقاً بفارق كبير على الأنظمة التقليدية التي لم تتجاوز دقتها 55.9% .
وقال الباحثون في معهد «نيتشر» الطبي: «يطور ديب رير سير العمل السريري من خلال تقديم تشخيصات مدعومة بسلسلة منطقية شفافة، حيث يمكن للأطباء تتبع كيفية وصول النظام إلى استنتاجاته»، والأهم من ذلك، أن الخبراء الطبيين وافقوا على دقة وصحة سلاسل التفكير التي يقدمها النظام بنسبة 95.4%.
الجانب المظلم
لكن هذه القفزة النوعية لا تخلو من مخاطر جسيمة، ففي مقال نشرته مجلة «بي إم جيه» إحدى «أعرق المجلات الطبية في العالم» في ايار الماضي حذّر فيه الخبراء، من مغبة تكرار سيناريو التأخر في اتخاذ الإجراءات تجاه المخاطر الطبية، كما حصل مع دواء «فالبروات» Valproate، وهو دواء تسبب بتشوهات خلقية لأطفال عندما اقدمت نساء على تناولنه أثناء الحمل، رغم وجود تحذيرات منذ عام 1982 مشيرين إلى أن خطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى فقدان المهارات البشرية وتعلم مهارات خاطئة، وهو ما قد يكون أخطر من الأخطاء التقنية نفسها، مؤكدين أن المساءلة القانونية وحدها لا تكفي، بل هناك حاجة لإصلاح حقيقي في كيفية التعامل مع هذه التقنيات.
وأشار الباحثون إلى أن مشكلة الأنظمة الطبية غير الدقيقة ليست سوى «قمة جبل الجليد»، وكتبوا في الافتتاحية: «المساءلة ضرورية، لكن إلقاء المسؤولية على طرف واحد يخلق خطاباً مطمئناً بدلاً من إصلاح حقيقي».
من يتحمل المسؤولية عند الخطأ ؟
دراسة نُشرت في حزيران الماضي في npj Digital Medicine «إن بي جيه ديجيتال ميديسين» التابعة لمجلة «نيتشر» قارنت أداء أطباء الجلد مع أربعة نماذج ذكاء اصطناعي «جي بي تي-4 أو»، «غروك 3»، «كلود سونيت 4»، «جيميني 2.5 فلاش» في تشخيص أمراض الأظافر، فكانت النتائج صادمة إذ حقق الأطباء دقة تشخيصية بلغت 70.6% (وارتفعت إلى 80.3% عند إضافة التشخيص التفريقي)، بينما لم تتجاوز دقة نماذج الذكاء الاصطناعي 25% في أفضل أحوالها.
وخلص الباحثون إلى نتيجة حاسمة: وهي «لا ينبغي استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية في تشخيص الأمراض دون إشراف سريري». مضيفين إن أداء هذه الأنظمة «محدود ويتطلب مزيداً من التحقق على مجموعات بيانات أكبر وأكثر تمثيلاً إكلينيكياً».
تشخيص سرطان الثدي
في مجال آخر، طور باحثون من جامعة نيويورك ومركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان نموذج ذكاء اصطناعي قادراً على اكتشاف سرطان الثدي في صور الرنين المغناطيسي قبل عام من اكتشافه بالطرق التقليدية.
هذا النموذج، الذي نُشر في مجلة Radiology: Artificial Intelligence «راديولوجي: آرتيفيشال إنتليجنس» في حزيران العام 2025، كان أداؤه «مشابهاً لأداء أخصائيي أشعة الثدي، ولكنه أفضل من الأدوات الآلية الحالية».
«الصحة العالمية» تحدد القواعد
أما منظمة الصحة العالمية التي تتابع هذه الامور اصدرت هذا الشهر ورقة نقاشية جديدة بعنوان «الذكاء الاصطناعي والسياسات الصحية المبنية على الأدلة»، حددت فيها إطاراً واضحاً للتعامل مع هذه التقنيات.
المبدأ الأساسي الذي أكدته المنظمة؟ يجب أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز العمل البشري، وليس ليحل محله، أو كما جاء في نص الورقة: «AI should augment, not automate» – أي يعزز وليس يحل محل الإنسان.
وأضافت المنظمة أن البشر «سيبقون مسؤولين عن صياغة الأسئلة، والحكم على جودة الأدلة، وتفسير النتائج في سياقها، ووزن الاعتبارات الأخلاقية».
ويجمع الخبراء على أن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً واسعة في مجال التشخيص الطبي، وقد يسبق الأطباء في اكتشاف بعض الأمراض، لكنهم يحذرون بنفس الوقت أن هناك ثمناً لهذه الثورة، وان هناك أخطاء قاتلة محتملة، ونقص في المساءلة القانونية، وخطر فقدان المهارات البشرية، وهي القاعدة الذهبية التي تتفق عليها جميع الدراسات على أن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة قوية، لكنه ليس بديلاً عن الطبيب الإنسان.