سوريا في مرحلة تحوّل.. سياسة جديدة ومسار مفتوح نحو إعادة البناء

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية _ مها يوسف:

تمرّ سوريا بمرحلة مفصلية في تاريخها المعاصر، بعد انتصار ثورتها، حيث تتداخل التحولات السياسية مع تحديات إعادة بناء الدولة، وسط مساعٍ لاستعادة الحضور الإقليمي والدولي وترسيخ الاستقرار الداخلي.

يرى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، المهندس باسل كويفي، أن ذكرى انطلاق الثورة السورية تأتي هذا العام في سياق مختلف، بعد التحول الجذري الذي شهدته البلاد عقب سقوط النظام البائد حيث اتجهت سوريا نحو إعادة تشكيل دورها السياسي عبر رؤية تقوم على الانفتاح الدبلوماسي وبناء دولة موحدة قائمة على العدالة والوحدة والانفتاح.

حضور دبلوماسي لافت

يشير كويفي إلى أن عام 2025 شهد تحولاً كبيراً في الخارطة السياسية والدبلوماسية، مع حضور دبلوماسي مكثف على مستوى رئاسي ووزاري، واستقبال مسؤولين ومبعوثين دوليين. كما شاركت سوريا في معظم المؤتمرات الإقليمية والدولية، في مؤشر واضح على عودتها إلى الساحة الدولية.

ويبرز في هذا السياق دعوة الرئيس أحمد الشرع لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وإلقاء كلمة رسمية، إلى جانب لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض خلال تشرين الثاني/نوفمبر 2025، ما يعكس مستوى الانفتاح السياسي الذي تشهده البلاد.

تعزيز السيادة والوحدة

يلفت كويفي إلى أن الداخل السوري يشهد تحولات متسارعة تهدف إلى ترسيخ سيادة الدولة على كامل الأراضي السورية. ويعد الاتفاق مع “قسد” في 30 كانون الثاني/يناير 2026 محطة مفصلية، إذ ينص على دمج إداري تدريجي، وعودة النازحين، وضمان حقوق الكرد السوريين.

ويؤكد أن هذا النهج يسهم في بناء الثقة بين المكونات السورية، ويبدد المخاوف، كما يُتوقع أن ينعكس نجاحه على مناطق أخرى مثل السويداء والساحل.

انفتاح دولي

يشير كويفي إلى أن سوريا الجديدة تعمل على كسر العزلة الدولية عبر سياسة انفتاح واسعة ومتوازنة مع الدول الغربية، مضيفاً أن التواصل مع الولايات المتحدة شهد تطوراً ملموساً، حيث أكد الرئيس ترامب دعمه لجهود إعادة الإعمار وتشجيع الاستثمار، واعتبر أن التفاهمات المتعلقة بدمج القوات العسكرية تمثل خطوة محورية نحو إنهاء الصراع وتعزيز الاستقرار.

ويتابع كويفي أن هذه الخطوات رحبت بها كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا، مع التأكيد على دعمها لمسار انتقال سياسي شامل يحفظ حقوق جميع السوريين. ويعزز هذا التوجه ما أعلنه وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني حول اعتماد سياسة متوازنة تهدف إلى استعادة مكانة سوريا إقليمياً ودولياً، من خلال إعادة هيكلة البعثات الدبلوماسية، وتفعيل دورها، إلى جانب تعيين أول سفير لسوريا الجديدة لدى الأمم المتحدة، والتخطيط لعقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار.

التوازنات الأمنية في الجنوب

يتناول كويفي الملف الأمني في الجنوب، مشيراً إلى وجود مفاوضات غير مباشرة بوساطة أمريكية تهدف إلى إنشاء آلية للتنسيق وخفض التصعيد.

ويؤكد أن هذه التحركات تركز على وقف التدخلات والضربات الجوية، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي دخلتها بعد كانون الأول/ديسمبر 2024، مع التشديد على رفض فرض أي واقع جديد يمس السيادة السورية.

الدور الإقليمي المستقبلي

يرى كويفي أن مستقبل الدور الإقليمي لسوريا يرتبط بقدرتها على تثبيت الاستقرار الداخلي وبسط سيادتها، إلى جانب طبيعة التحالفات التي ستتشكل في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

ويؤكد أن موقع سوريا في المشهد الإقليمي الجديد سيتحدد وفق هذه المعطيات، مع توقعات بأن يكون لها دور مهم في إعادة رسم توازنات المنطقة.

علاقات إقليمية ودولية

يوضح كويفي أن العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية تتسم بالتعقيد، حيث تبرز تركيا كشريك إقليمي مهم في ملفات الأمن والتنسيق، ما يفتح آفاقاً للتعاون السياسي والاقتصادي.

في المقابل، يشكل الجانب الإسرائيلي تحدياً مستمراً عبر محاولات فرض وقائع ميدانية جديدة، خاصة في الجنوب والمنطقة العازلة.

كما يشير إلى وجود انفتاح عربي حذر، يترافق مع وعود واستثمارات محتملة، إلا أن جزءاً منها لم يُترجم بعد إلى مشاريع فعلية، رغم أهمية هذا المسار في دعم النهضة الاقتصادية.

وعلى المستوى الدولي، يلفت كويفي إلى أن الولايات المتحدة تدعم استقرار سوريا عبر دعم الحكومة المركزية، مع بقاء هذا الدعم مشروطاً بملفات الأمن ومشاركة المكونات. في حين تسعى روسيا إلى الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، خاصة في قاعدتي حميميم وطرطوس، من خلال إدارة مرحلة الانسحاب والتكيف مع المتغيرات.

أما الصين، فتتجه نحو دور اقتصادي تدريجي عبر الدعم الإنساني والاستعداد للمشاركة في إعادة الإعمار.

تحديات تعيق التعافي

ويشدد كويفي على أن مسار التعافي لا يزال يواجه تحديات كبيرة، في مقدمتها الدمار الاقتصادي الواسع، حيث يعيش نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، ما يتطلب بيئة مستقرة وتشريعات جاذبة للاستثمار لإطلاق عملية إعادة الإعمار.

كما تبرز تحديات أمنية، في ظل استمرار تهديد التنظيمات المتطرفة، إلى جانب ضرورة حصر السلاح بيد الدولة ضمن جيش وطني مهني.

ويضيف إن ملف الأقليات والانتقال السياسي الشامل يبقى من أبرز التحديات، ما يستدعي بناء إطار دستوري يضمن الحقوق والحريات ويعزز المشاركة السياسية.

بين الواقع والطموح

يؤكد كويفي أن ما تحقق خلال عام واحد من عمر التحرير يمثل بداية واعدة لمسار طويل من البناء، حيث نجحت الدبلوماسية السورية في كسر العزلة واستعادة جزء من حضورها الدولي، بالتوازي مع خطوات داخلية لتعزيز السيادة والوحدة الوطنية.

إلا أن الطريق لا يزال طويلاً، ويتطلب جهداً وطنياً مضاعفاً وتعاوناً دولياً حقيقياً، إلى جانب رؤية واضحة لبناء الدولة.

ويختم بأن نجاح هذه المرحلة سيحدد قدرة سوريا على التحول من دولة أنهكتها الحرب إلى دولة فاعلة إقليمياً، قادرة على الإسهام في تحقيق الاستقرار والتنمية، مستندة إلى إرادة شعبها الذي أثبت خلال سنوات الثورة والتحرير أنه صانع التغيير الحقيقي.

Leave a Comment
آخر الأخبار