من سجين بزي عسكري إلى ثائر بكاميرا.. وائل اللوز يروي حكايته الثورية منذ الانشقاق حتى التحرير

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية – ميمونة العلي:

من ذكريات الثورة، ومن قلب المعاناة اليومية تحت القصف والحصار، تبرز حكايات نضال لا تموت، واحدة من تلك الحكايات تخص الإعلامي وائل اللوز، مدير المكتب الإعلامي في تموين حمص، الذي استعاد شريط ذاكرته المليء بالتفاصيل القاسية والمشاهد الإنسانية العميقة، ليروي ل”الحرية” قصة تحوله من سجين بزي عسكري إلى ثائر يحمل كاميرا، في رحلة امتزجت فيها دموع الفرح بدماء الشهداء.

البداية: سجين في ثكنة عسكرية

لم تكن بداية وائل مع الثورة السورية مجرد التحاق بمسيرة احتجاجية، بل كانت بمثابة “ولادة قيصرية من رحم الظلام”، على حد تعبيره، ففي عام 2011، حين انطلقت الشرارة الأولى، كان وائل يؤدي خدمته الإلزامية في جيش النظام، لكن الثورة لم تلبث أن حولت القطعة العسكرية التي يخدم فيها إلى سجن كبير، كانت التهمة الوحيدة انتمائه إلى مدينة ثائرة، مُنع مع رفاقه من أبناء حمص ودرعا وإدلب من أي إجازات، ليقضي عاماً كاملاً خلف جدران تلك الثكنة.

يقول وائل: “كنت أراقب العالم من خلف تلك الجدران المعتمة، وأعد الأيام لعلي أنتهز الفرصة المناسبة للانشقاق عن جيش النظام”. واستمرت المراقبة والترقب حتى منتصف عام 2012، حيث تمكن من نيل حريته أخيراً، وانشق عن جيش النظام البائد ليلتحق بركب الثورة، ويصف تلك اللحظة بأنها “من أكثر اللحظات المؤثرة، حين شعرت بجسدي يرتعش كمن خرج من سرداب مظلم إلى نور الشمس الساطع لأول مرة”.

الكلمة سلاح والعدسة عين

بعد الانشقاق، بدأت رحلة وائل الحقيقية مع الثورة، وكونه خريج صحافة وإعلام، اتخذ من الكلمة سلاحاً ومن العدسة عيناً، ليبدأ العمل الإعلامي في قريته تيرمعلة وقرى ريف حمص الشمالي، هناك، تعلم أصعب دروس المهنة، ليس في قاعات الدراسة، بل في الميدان حيث الموت يحصد الأرواح.

يقول وائل: “تعلّمتُ كيف أحافظ على ثبات الكاميرا بينما يرتجف قلبي بكاءً”، ويتذكر اللحظة الأقسى عندما كان يوثق جرائم النظام البائد، ورأى أعز الأصدقاء والأقرباء يتحولون في لحظة إلى أشلاء أمام عينيه وعدسته. ويسترجع ذاكرة مؤلمة: “لن أنسى ذاك الصديق الذي كنتُ أشرب معه الشاي، وما هي إلا ثوانٍ حتى تحول إلى أشلاء أمام عيني بفعل برميل متفجر، هناك فقط تدرك معنى أن تلمس الموت بيدك”.

لكن أقسى من الموت، برأيه، كانت لحظات اختباء طفله ذي السنتين بين قدميه، وهو يرتجف من شدة القصف، تلك المشاهد كانت تزيده إيماناً بأن “الكلمة هي الرصاصة الأبقى في وجه هذا الطغيان”.

الرحيل إلى المجهول: دروب الموت والحواجز المباعة

مع اشتداد الحصار والخطر، قرر وائل الرحيل نحو الشمال المحرر في عام 2016، الرحلة كانت مغامرة محفوفة بالمخاطر، حيث خرج من ريف حمص الشمالي المحاصر، وبدأ من الرستن سيراً على الأقدام في دروب جبلية ووعرة باتجاه مشارف حماة، تحت جنح ليل قارس، يراقب أضواءً بعيدة تبدو وكأنها تهرب كلما اقترب.

أما السخرية المرة، فكانت في الرحلة من قرية جبرين شمال حماة إلى ريف إدلب الجنوبي، حيث عبروا 62 حاجزاً للنظام دون خوف، بعد أن اشتروا الطريق بالمال، ويعلق وائل: “أدركنا أن هؤلاء الذين يدّعون حماية الوطن مستعدون لبيع كل شيء، حتى رئيسهم، مقابل ملء جيوبهم”.

وعند الوصول إلى المناطق المحررة، غلب الندم وائل بشكل مفاجئ، حيث راودته فكرة أنه ربما لن يتمكن من العودة إلى قريته ومدينته مرة ثانية، وفي تلك اللحظة، نظم بيتاً من الشعر قال فيه:

“تركت روحي تنزف في شوارعها.. وعلى شرفاتها نسيت عيوني”

وتساءل بحسرة: “لمَ لمْ أحمل معي حفنة من تراب قريتي؟ ذلك التراب الذي يحتضن رفاقي الشهداء”.

من إدلب إلى تركيا: الكلمة لا تستريح

بعد الوصول إلى إدلب، انتقل وائل إلى تركيا ليلتحق بعائلته التي سبقته إلى هناك، لكنه هناك لم يضع الكلمة جانباً، بل عمل على تأسيس موقع إلكتروني ليكون صوتاً للحق، وفاضحاً للفساد ولجرائم النظام، ورغم موجات اليأس التي كانت تهاجمه أحياناً، كان طيف الشهداء يعيده إلى الطريق، ويثبت إيمانه بالنصر أكثر فأكثر.

التحرير والعودة: ثورة البناء تبدأ الآن

جاءت معركة “ردع العدوان” لتعيد الأمل وتجعل الحلم حقيقة، يصف وائل تلك الأيام: “لم يعرف فيها جفني طعم النوم إطلاقاً، فمع كل مدينة تتحرر، كنتُ أشعر بأن الفضاء يتسع، وأن الحلم الذي دفعنا ثمنه غالياً أصبح حقيقة. كنتُ أصرخ فيمن حولي: هل نحن في حلم؟ جهزوا الأمتعة.. سنعود”.

وبسقوط نظام الأسد وعودة البلد لأهله، عاد وائل إلى أرضه، لكنه لم يأتِ ليستريح، بل ليبدأ “ثورة البناء”، ويؤكد في ختام حديثه: “الحفاظ على الأهداف دائماً ما يكون أصعب من الوصول إليها، وتعميد الحرية بالعمل هو الثورة والمعركة الحقيقية التي تبدأ الآن”.

Leave a Comment
آخر الأخبار