الحرية – فادية مجد :
يحمل العيد في ذاكرة الناس بهجة خاصة لا تشبه أي فرح آخر، فهو مناسبة تعود كل عام لتوقظ في القلوب صوراً من زمنٍ كانت فيه التفاصيل أبسط والروابط أقوى، ولتبقى ذكريات العيد قديماً جزءاً من ملامح الحياة الريفية التي تستحق أن تُروى، لما تحمله من دفء ومحبة وطقوس ما زالت حاضرة في الوجدان.
وفي هذا السياق يستعيد لـ”الحرية” الشيخ عماد الدين محمد إمام وخطيب جامع الشيخ شعبان بقرية كفرفو ذكريات العيد في القرية القديمة، فيرويها وكأنها مشاهد ما زالت حية في الذاكرة، لم يبهت لونها رغم مرور السنين، حيث أفاد بأن العيد أيام زمان في ريف طرطوس كان يبدأ قبل حلوله بأيام، عندما كانت الأمهات تشعل التنور مع الفجر، فتتسلل رائحة الخبز الساخن إلى الأزقة الطينية، فتنعش القلوب قبل الأبدان، كما كانت أمهاتنا أيضاً يصنعن أقراص الكبة والزلابية، ويعجنّ أقراص المرقد بالحليب وحبة البركة، فتمتلئ البيوت بروائح تعبّر عن الفرح قبل أن يطرق العيد الأبواب، تلك الروائح التي كانت تعتبر إعلاناً صامتاً بأن أياماً مختلفة تقترب، أيام تحمل معها دفئاً لا يزال يعيش في الذاكرة حتى اليوم.
وأشار الشيخ محمد إلى جمال البيوت قديمٱ رغم بساطتها، فقد كانت عامرة بالدفء، وهي عبارة عن جدران من طين ممزوج بالقش، وسقوف من خشب السنديان، ومواقد يعلو منها دخان الحطب في مشهد يختصر معنى الحياة الريفية.
ولفت إلى أن الآباء كانوا يجمعون ما تيسّر من المال قبل قدوم العيد لشراء البُسُط، وكراسي القش والخيزران، استعداداً لاستقبال المهنئين، فالعيد لم يكن مجرد مناسبة دينية، بل كان حدثاً اجتماعياً كبيراً تتجدد فيه الروابط بين الأهالي، وتفتح فيه البيوت على مصراعيها لاستقبال المهنئين.
وأضاف: مظاهر الكرم كانت سمة بارزة في القرية؛ فالقصّاب أبو سلمان كان يربّي عجلاً طوال العام ليذبحه في بيته يوم العيد، إذ لم تكن هناك محلات للقصابة. وكان أبو عدنان يتبرع باللحم لمن لا يستطيع شراءه، فلا يبقى في القرية جائع ولا محتاج، كما كانت الجارة أم عدنان توزع الحليب من بقرتها “حجول أم قرنان” على الجيران جميعاً، في مشهد يعكس روح التكافل التي ميّزت تلك الأيام.
ويتابع الشيخ حديثه قائلاً إن الأهالي كانوا يتزاورون من أول القرية إلى آخرها، يتبادلون التهاني بقلوب صافية لا تعرف التكلف، وكانت التكبيرات تعلو منذ ساعات الفجر، فيقف الشيخ محمد على سطح بيته الذي جعله مسجداً للقرية، ويرفع الأذان بصوته القوي، ثم يجتمع الناس للصلاة خلفه في مشهد يفيض خشوعاً وفرحاً.
أما الأطفال فكانوا ينتظرون العيد بلهفة لا توصف، يركضون بين الأزقة بثيابهم الجديدة، ويشترون بحماس خرجية العيد التي لم تتجاوز الفرنك أو الفرنكين ، مشيراً إلى أن موضة “بنطال أبو شقلة” كانت هي الأجمل في نظرهم، وكأنها تاج العيد.
ويستذكر الشيخ محمد كيف كان كبار القرية يسعون للإصلاح بين المتخاصمين قبل دخول أي بيت، فلا يُقبل أن يبقى خلاف في يوم العيد، فكانت القلوب تتصافح قبل الأيدي، وكانت المحبة تُبنى بالفعل لا بالكلام.
واختتم حديث الذكريات بالإشارة إلى أن تلك الأيام مازالت محفورة في الذاكرة، لأنها جمعت بساطة العيش وصدق العلاقات، ولأنها حملت روحاً من الألفة والبركة يصعب أن تتكرر، كانت أياماً تُعاش بقلوب مطمئنة، وتُحفظ في الذاكرة كأجمل ما مر على القرية وأهلها.