الحرية_ رشا عيسى:
حين تضيق قنوات التمويل وتفقد الأسواق بوصلتها، يتحول الاقتصاد إلى مساحة من الأسئلة المفتوحة: من يموّل، وكيف، وبأي ثقة؟ وفي مشهد تتقاطع فيه هشاشة القطاع المالي مع غياب الاستقرار، تبرز الحاجة إلى حلول غير تقليدية تعيد ضخ الدم في شرايين الاقتصاد الوطني.
ويفتح الباحث الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس في حديث لـ”الحرية” ملف التمويل الوطني، كاشفاً عن اختلالات في القطاع المالي، ومقترحاً مسارات إسعافية لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد وسط بيئة معقدة من ضعف الثقة وغياب الاستقرار.
أزمة تمويل
يرى الدكتور الجاموس أن جوهر الأزمة الاقتصادية الحالية يكمن في ضعف القطاع المالي، مؤكداً أنه “حيثما وُجد قطاع مالي قوي، وُجد اقتصاد قوي”.إلا أن الواقع الحالي يعكس تراجعاً حاداً في قدرة هذا القطاع على أداء دوره، نتيجة سياسات متراكمة أضعفت الثقة بين المواطنين والمؤسسات المصرفية، فضلًا عن استمرار فجوة الثقة مع الخارج رغم بعض الانفتاح الشكلي.
ويشير إلى أن انضمام البلاد إلى أنظمة التحويل المالي الدولية لم ينعكس فعلياً على حركة التمويل، بسبب استمرار الحذر من البنوك المراسلة عالمياً، ما أبقى قنوات التمويل شبه مشلولة.
البنوك الغائبة
يشدد الجاموس على أن البنوك تمثل المصدر الأهم لتمويل الاقتصاد، سواء عبر تقديم القروض للحكومة أو دعم القطاع الخاص. إلا أن ضعفها الحالي حرم الاقتصاد من أداة أساسية لردم فجوة العجز في الموازنة، ما فاقم الضغوط المالية.
إصلاح ضريبي
ضمن الحلول المطروحة، يدعو الجاموس إلى تحسين النظام الضريبي عبر سنّ قوانين واضحة تحد من التهرب، وتوجد بيئة عادلة تشجع الالتزام. ويقارن ذلك بقطاع الكهرباء، حيث أدى رفع الأسعار إلى تراجع التحصيل بسبب عزوف المواطنين عن الدفع، في إشارة إلى أهمية التوازن بين السياسات والإيرادات.
بدائل مؤقتة
في ظل ضعف البنوك، يطرح الجاموس الاعتماد على رجال الأعمال المحليين والمغتربين كمصدر تمويلي بديل، عبر إصدار سندات حكومية أو أذونات خزينة. لكنه يقر بأن فعالية هذه الأدوات تبقى محدودة في ظل غياب الاستقرار السياسي والأمني.
شريك أساسي
يؤكد الباحث أن تحسين بيئة القطاع الخاص يمثل ركيزة أساسية لأي تعافٍ اقتصادي، داعياً إلى تقديم تسهيلات واسعة تشمل التراخيص والضمانات الأمنية، وتغيير نمط التعامل مع المستثمرين. كما يشدد على أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص في إعادة تحريك الاقتصاد.
إعادة هيكلة وبيع
في طرح لافت، يدعو الجاموس إلى بيع جزء من القطاع العام الإنتاجي بدل الاكتفاء بإعادة هيكلته، معتبراً أن ذلك قد يوفر إيرادات مباشرة للدولة. أما القطاع الخدمي، فيرى إمكانية تطويره عبر شراكات مع القطاع الخاص، لتخفيف العبء عن المالية العامة.
خيار اضطراري
رغم التحفظات الرسمية، لا يستبعد الجاموس اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، معتبراً أن شروط المؤسسات الدولية، رغم قسوتها، قد تشكل رافعة مالية في ظل الأزمة الحالية، بدل أن تزيد الوضع سوءاً.
فتح الباب أمام البنوك الدولية
يضع الجاموس فتح المجال أمام البنوك الإقليمية والدولية كأحد أهم الحلول الإسعافية، داعياً إلى إزالة العقبات أمام دخولها. ويشير إلى أن رساميل هذه البنوك، عند إيداعها في البنك المركزي، يمكن أن تعزز الكتلة النقدية وتوفر أدوات جديدة لتمويل العجز.
بيئة تشريعية
يختتم الجاموس بتأكيد أن غياب بيئة تشريعية مستقرة يحد من فعالية الحلول طويلة الأمد، ما يفرض اللجوء إلى إجراءات سريعة، مثل جذب البنوك الأجنبية والتعاون مع المؤسسات الدولية، لإعادة إحياء القطاع المالي وبناء حد أدنى من الثقة.
في المحصلة، تبدو الأزمة متعددة الأبعاد، لكن مفاتيح الحل، وفق الجاموس، تبدأ من إعادة بناء الثقة، وتنشيط القطاع المالي، وفتح قنوات تمويل جديدة، مهما كانت كلفتها السياسية والاقتصادية.