الحرية – هناء غانم:
تشكل التحولات السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية نافذة نادرة أمام سوريا لإعادة تموضعها على خريطة الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، تبرز زيارة رئيس الجمهورية السورية إلى ألمانيا كإشارة تحمل دلالات أعمق من بعدها البروتوكولي، إذ يمكن أن تعكس بداية مرحلة جديدة من إعادة الانفتاح الاقتصادي وإعادة صياغة العلاقات مع أوروبا.
الباحث والخبير الاقتصادي د. رازي محي الدين يؤكد في حديثه لـ”الحرية” أن هذه المرحلة ليست مجرد تطور سياسي عابر، بل هي “فرصة تاريخية قد لا تتكرر”، إذا ما تم استثمارها بوعي وواقعية اقتصادية.

ممر استراتيجي بين الشرق والغرب
وأشار محي الدين إلى ما تتمتع سوريا كموقع جغرافي فريد يجعلها حلقة وصل طبيعية بين آسيا وأوروبا، وبين دول الخليج والبحر المتوسط. هذا الموقع يمنحها إمكانية التحول إلى مركز عبور استراتيجي للتجارة والطاقة.
وفي هذا السياق، يشير د. محي الدين إلى أن التقاء المصالح الدولية والإقليمية قد يفتح الباب أمام إعادة دمج سوريا في الشبكات الاقتصادية الكبرى، خصوصاً مع حاجة الأسواق العالمية إلى مسارات بديلة وآمنة للتجارة والطاقة.
المصالح الأوروبية.. عودة اللاجئين والطاقة والاستثمار
من وجهة نظر اقتصادية بحتة -حسب رأي الخبير محي الدين- تسعى أوروبا إلى تحقيق عدة أهداف مترابطة في الملف السوري، أبرزها:
- تهيئة الظروف لعودة آمنة ومستقرة للاجئين.
- تأمين مسارات نقل الطاقة عبر الأراضي السورية.
- الاستفادة من انخفاض تكاليف اليد العاملة.
فتح أسواق جديدة أمام الاستثمارات الأوروبية
ويشير د. محي الدين، إلى أن هذه العوامل قد تدفع الاتحاد الأوروبي إلى دعم مشاريع إعادة الإعمار، وتشجيع الاستثمارات المباشرة، في حال تحقق الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والأمني.
دول الخليج.. الاستثمار في الممرات الاقتصادية
في المقابل، تنظر دول الخليج إلى سوريا من زاوية جيو- اقتصادية مختلفة، حيث تمثل الأراضي السورية حلقة وصل محتملة لممرات الطاقة والتجارة.
وتتمثل أبرز الاهتمامات الخليجية في:
- إنشاء ممرات آمنة لنقل النفط والغاز.
- تطوير البنية التحتية اللوجستية.
- الاستثمار في النقل والموانئ والطرق.
- تعزيز الربط التجاري مع أوروبا عبر المتوسط.
ويرى د. محي الدين أن هذا التوجه -إن تحقق- قد يحول سوريا من دولة متلقية للمساعدات إلى دولة ذات دور محوري في سلاسل الإمداد الإقليمية.
التحدي الحقيقي.. هل نستطيع استثمار الفرصة؟
رغم حجم الفرص المحتملة، إلا أن السؤال الأهم يبقى داخلياً أي بيننا كسوريين :هل يمتلك السوريون القدرة على تحويل هذه الفرصة إلى واقع اقتصادي؟ هنا يؤكد د. محي الدين أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر الفرص، بل في القدرة على بناء بيئة استثمارية مستقرة وشفافة وتعزيز سيادة القانون والمؤسسات إضافة إلى مكافحة الفساد الإداري والاقتصادي وإعادة تأهيل البنية التحتية والأهم توحيد الرؤية الاقتصادية الوطنية.
بين التفاؤل والواقع
تمثل المرحلة القادمة اختباراً حقيقياً لقدرة سوريا على التحول من حالة الأزمة إلى حالة التعافي الاقتصادي. وبينما تبدو المؤشرات الإقليمية والدولية مشجعة، فإن النجاح يعتمد بالدرجة الأولى على الداخل السوري.
ويختم د. محي الدين رؤيته بتأكيد أن الفرصة موجودة، لكنها لا تنتظر أحداً.. إما أن نستثمرها أو نفقدها كما فُقدت فرص كثيرة قبلها.