الحرية – أحمد محمود الباشا:
في تجربة أدبية تمزج بين الشعر والنثر، يقدم الكاتب محمد نافع الضحاك أبن مدينة سلمية قصته «راحلة إلى الشمس»؛ عملاً يبدأ بواقعية يومية لينتهي إلى خيال شفيف، ليكتب حكاية الفقد والأمل بلغة مشبعة بالصور الشعرية والمشاعر المكثفة.
وفي هذه القراءة الخاصة، نقف على أربع محطات في رحلة النص، نستعرض فيها جمالياته ونكشف عن تقاطعاته بين الحلم واليقظة.
وداع مؤجل وحضور غائب
«قالت لي وداعاً
ويداها ترتجفان
ودموع الياقوت على الخدين
كحب الرمان
جلست حزيناً في مقتبل الطريق
على دفتر الذكريات أتلو صفحات العمر
وتعالت من داخلي التنهيدات
حزين أنا بقاموس الحب مرفوض
وعبارة الشقاء مرسومة على الجبين
حاولت أن أقنع نفسي بالنسيان
ولكن ما يفعل عاشق بالحرمان؟»
هذا المشهد الافتتاحي يعيد إنتاج لحظة الفراق الأولى، لكن بصيغة الحاضر المستمر، أي أن الفراق لم ينتهِ، اللغة هنا تتجه نحو التكثيف الشعري عبر استعارات بصرية «دموع الياقوت، حب الرمان» ونبرة أسى وجودي، فالمتحدث يصف نفسه بأنه «مرفوض من قاموس الحب»، مما يضفي على الحكاية طابعاً عالمياً يتجاوز القصة الفردية، التنهيدات المتعالية من الداخل توحي بأن الجراح لم تندمل، وأن العاشق لا يزال أسيراً لذكرى رحلت، ما يهيئ القارئ لاستقبال الحلم كامتداد للواقع وليس هروباً منه.
زيارة غير متوقعة
«هنا بدأت حكايتي:
جاءت إلي في يوم عاصف
قرعت الباب وهي ترتجف
قالت: أرجوك أدخلني فجسدي تمزقه الأحزان
أدخلتها وأنا أنظر إليها
كان على طاولتي طبق من أرز وخضار وبطاطا مقلية
أخذت تأكل من طعامي وأنا أنظر إليها بحنية
قالت: الحمد لله لقد اكتفيت
سألتها من أين أتيتِ؟
قالت: أنا من بلد الشمس
وحيدة بلا أب ولا أم ولا معين لدي»
وهنا ينتقل السرد إلى الحكاية داخل الحكاية، الطقس العاصف يرمز إلى الاضطراب الداخلي، و«ارتجاف» الزائرة يعكس حالة ضعف تثير التعاطف، مشهد الطعام اليومي «أرز، خضار، بطاطا مقلية» يضفي واقعية مفاجئة، لكن سرعان ما تتبدد مع تصريح الضيفة بأنها «من بلد الشمس»، هذا التعبير يفتح باب التأويل: هل هي رسولة من عالم آخر أم تجسيد لروح الراحلة؟ العبارة تمنح النص بُعداً غيبيّاً، لكنه يظل محصوراً في إطار الحلم، لا الأسطورة، الكاتب يخلق حواراً بسيطاً لكنه محمّل بشحنات درامية، الغريبة تأكل وتشكر ثم تفصح عن وحدتها، ليبدأ التعاطف معها.
لحظة الحقيقة
«قلت لها امكثي حتى آتيك بالملابس
أتيت لها بالملابس فلبستها فنظرت إليها
يا إلهي إنها زوجتي الراحلة عني منذ عشر سنين
أيعقل هذا يا إلهي؟
وعيناي لا تفارقها وسعادة لا أقدر أن أصفها
قلت لها اشتقت إليك وأنا لا أعي تماماً ما أقوله
ضحكت كثيراً
أخذت بيدها راقصتها ضممتها إلى صدري
قلت لها أحبك.. أحبك.. أحبك
وهي تضحك
كان ضجيج الرعد والمطر قوياً للغاية»
هنا لحظة التعرف هي ذروة القصة، المفارقة العاطفية هنا مذهلة: البطل يكتشف في الضيفة المحتاجة وجه زوجته الراحلة، لكنه لا يصعق، بل يغمره الفرح، هذا الموقف يعكس لاوعياً رغبة مكبوتة في عودة المفقود، سؤال «أيعقل هذا يا إلهي؟» يظل مفتوحاً، دون إجابة، الحوار يتلاشى ليحل مكانه الرقص والعناق والتكرار الثلاثي لـ«أحبك»، الصخب الخارجي «الرعد والمطر» يتوازى مع الصخب الداخلي للمشاعر، وكأن الطبيعة تشارك البطل حالة الخروج عن المألوف، اللغة هنا تتحول إلى نغم موسيقي قصير الجمل، يهدف إلى ترجمة الغياب الحسي إلى حضور جسدي.
الرحلة مع الشمس
«قلت لها: تعالي إلى غرفتي
صعدنا إلى الغرفة والسعادة تغمرني
جلست على السرير وأنا أتأملها
كانت لحظة لا توصف
فقالت: أشعر بالبرد فحضنتها كي لا تبرد
ومن ثم خلدنا إلى النوم
وفي الصباح صحوت لكني لم أجدها بجانبي
بحثت عنها فلم أجدها
لقد رحلت مع الشمس
وأدركت حينها بأني كنت أحلم
وأن القصة من نسج الخيال
فعدت لأجلس أمام مدفأتي
لأرى ثوب الزائرة موضوعاً على الكرسي»
في الختام يبقي الكاتب القارئ في حالة معلقة بين الحقيقة والوهم، رحيل الزائرة «مع الشمس» يرمز إلى انتهاء الحلم مع بزوغ النهار، لكن وجود الثوب المادي على الكرسي يعيد طرح السؤال: هل كان الحلم فقط؟ الثوب هنا أشبه ببرهان مادي يخرق منطقية النهاية، ويدفع القارئ للتأويل: ربما كانت الزائرة روحاً، أو ربما البطل يتوهم وهو يقظ، المفارقة الأخيرة تمنح القصة عمقاً فلسفياً: الإنسان قد يعيش أوهاماً حسيّة، لكن تبقى آثارها الحقيقية شاهدة على قوة الفقد، لينتهي النص دون إجابة قاطعة، تاركاً للمتلقي حرية بناء نهايته الخاصة، وهو ما يليق بالأدب الذي يتعامل مع الذاكرة والحلم بوصفهما مساحة لتجاوز الواقع.
في «راحلة إلى الشمس»، لا يقدم محمد الضحاك حكاية حب مستحيلة فحسب، بل يقترب من مفهوم الذاكرة بوصفها كائناً حياً قادراً على إعادة تشكيل الحاضر، النص برمته يراوح بين الصدق العاطفي واللجوء إلى الخيال، من دون أن يقع في فخ التصنع أو الوعظ، إنها قطرة وفاء تحولت إلى قصة، وقصة تحولت إلى حلم، وحلم أثبت أن الحب الحقيقي لا يموت، بل يغادر إلى «بلد الشمس» عله يعود في ليلة ممطرة، يقرع الباب، ويجلس على كرسي الذاكرة، ليترك خلفه ثوباً شفافاً يثير أسئلة لا تنتهي.