الحرية- ياسر النعسان:
بين طيّات الروح والمدى الرَّحب، ثمّة معركة صامتة يخوضها الإنسان؛ لا يُسمع فيها صليلُ سيوف، بل يُسمع فيها رفيفُ الأجنحة وهي تحاول الانعتاق من أصفاد الخوف والتردد. إنَّ تحقيق الذات ليس مجرد ظفرٍ بمكسب، بل هو “نبوءة” يكتبها المرء بأفعاله، والثقة بالنفس هي ذلك القنديل الزيتي الذي يضيء دروب الظنون الوعرة.
تجلّيات الذات: انبعاث العنقاء من رماد الحيرة
الأديب مخلص محمود بين لـ”الحرية” أنَّ تحقيق الذات في محراب الأدب الإنساني هو “الاستواء على عرش الكينونة”. هو أن يدرك المرء أنَّ وجوده ليس محض صدفة عابرة في زحام الكون، بل هو قصيدةٌ فريدة لم تُقرأ بعد , وهذا ما أكدته نسرين عساف التي أضافت أنه يبدأ الارتقاء بالذات حين يكفُّ المرء عن التلصص على حياة الآخرين، ويلتفتُ إلى الداخل؛ هناك حيث تقبع الكنوز المنسية والمواهب التي غطاها غبار التغافل. إنها لحظة “التجلّي” التي يدرك فيها الإنسان أنَّ أثمن ما يملكه هو “اختلافه.”
نحت الكيان
قاسم مشوح لفت إلى أنه كما ينحتُ الفنان تمثاله من صخرة صماء، يقوم الشخص الراقي بتشذيب زوائد شخصيته، فيتخلص من “الأنا” الزائفة ليبقي على الجوهر الأصيل, مشيرا إلى أنَّ العظمة لا تكمن في أن تكون قوياً دائماً، بل في أن تكون “حقيقياً” في عالمٍ يرتدي الأقنعة.
هيبة الثقة: سكون العاصفة وجلال الموقف
أشرف حباب أكد من جهته أن الثقة بالنفس، ليست صخباً يُحدث ضجيجاً، بل هي ذلك “الوقار الهادئ” الذي يلفُّ الروح حين تهبُّ رياح الشك. هي الإيمان بأنَّ الجذور ضاربةٌ في الأرض مهما تلاعبت الأعاصير بالأغصان فالشخص الواثق يفوح منه عبير الطمأنينة من دون أن يتكلم. فهو لا يحتاج إلى ثناء المادحين ليزداد طولاً، ولا يضيره قدح الجاهلين فينقص قدراً. ثقته هي “حصنه الحصين” الذي بناه من لبنات التجارب ودموع الانكسارات التي تحولت إلى أوسمة فخر.
أدبُ الاستحقاق
في عُرف الثقة الراقية، يعلم الإنسان قدره تماماً؛ فلا يتطاول كبراً، ولا يتدنى ذلاً. إنه يمشي على الأرض بـ “خُيلاءِ المتواضع”، الذي يعتزُّ بكرامته كأنها تاجٌ مرصع، ويحترمُ كرامة الآخرين كأنها معبدٌ مقدس.
حين تلتقي الإرادة باليقين
الاختصاصي النفسي أمير الخالد أشار من جانبه إلى أنه حين يتحدُ السعيُ لتحقيق الذات مع الثقة بالنفس، يولدُ “الإنسان المتكامل”. هذا الاتحاد هو الذي حوّل الصخور إلى قلاع، والكلمات إلى دواوين وبالتالي فليس الإعتلاء فوق الآخرين هو المجد، بل المجدُ كل المجد في أن تسمو بنفسك عما يشينها، وتصعد بها لمراقي الكمال بقلبٍ ثابت وقدمٍ راسخة، مشيراً إلى أن من يحقق ذاته بأسلوب راق هو الذي يجعل من حياته تحفةً فنية؛ فلا يهمُّه تصفيق الجمهور بقدر ما يهمه صدق الريشة ونقاء اللون. وهو الذي يرى في الفشل “استراحة محارب”، وفي النجاح بداية لرحلة أبعد.
وبين الخالد أنَّ تحقيق الذات هو الأمانة التي استودعها الله في الإنسان، والثقة هي الوفاء بتلك الأمانة. فعلى الإنسان أن لا يغادر مسرح الحياة قبل أن يترك بصمته الراقية، فالعمرُ لحظة، والذاتُ خلود، والواثقون هم وحدهم من يكتبون أسماءهم بمداد النور على صفحات الزمن , لافتاً إلى أهمية الارتقاء بالذات، لأن القممُ مزدحمة، و”الأعالي الراقية” لا يسكنها إلا من آمن بفرادة روحه وجلال ثباته.