هل تقود حرب إيران إلى تصدع الحلف الأطلسي؟.. روبيو: واشنطن ستنظر في وضع علاقتها مع «ناتو»

مدة القراءة 6 دقيقة/دقائق

الحرية – سامر اللمع:

تشهد العلاقة بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «ناتو» مرحلة توتر متصاعد على خلفية الحرب على إيران، تجلت مؤخراً في تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي لوح بإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع الحلف، هذا التطور يعكس خلافات عميقة بين ضفتي الأطلسي، أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة حول مستقبل التحالف، خاصة في ظل إرث التوترات خلال فترتي رئاسة دونالد ترامب.

حرب إيران تكشف الانقسام داخل «ناتو»

منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، أظهرت التقارير في الصحف الأوروبية والأمريكية، مثل «فاينانشال تايمز»، أن الحرب عمّقت الخلافات داخل حلف شمال الأطلسي، فبينما تدفع واشنطن نحو تصعيد عسكري سريع، ترفض عدة عواصم أوروبية الانخراط في حرب تعتبرها ليست حربها.
مع اشتداد الحرب، دعا الرئيس ترامب، في أواسط آذار 2026، بعض الدول الغربية، وخاصة شركاءه في «ناتو»، إلى إرسال سفن عسكرية إلى منطقة الشرق الأوسط للمساهمة في فتح مضيق هرمز الذي أغلقه الإيرانيون، لكن معظم تلك الدول رفضت طلب ترامب الذي وجّه اللوم إليهم لعدم دعمهم.
وفي ظل تزايد الحاجة إلى دعم منظومات الدفاع الجوي في منطقة العمليات العسكرية في الخليج العربي، طلبت واشنطن، صباح أمس الثلاثاء 31 آذار، من وارسو نقل إحدى بطاريتيها إلى الشرق الأوسط، فجاء رد وزير الدفاع الوطني البولندي، فلاديسلاف كوسينياك-كاميش، صادماً لواشنطن، إذ قال إن منظومة «باتريوت» التي تمتلكها بولندا وصواريخها تستخدم للدفاع عن المجال الجوي البولندي والجناح الشرقي لـ«ناتو»، ولن يتغير تموضع القوات ولا تنوي وارسو تغييره.
يضاف إلى ذلك أن العديد من المسؤولين الأوروبيين عبروا عن استيائهم من غياب التشاور المسبق مع واشنطن، معتبرين أن اتخاذ قرار الحرب بشكل أحادي يهدد أمنهم ومصالحهم في ظل المخاوف من أن يؤدي التصعيد إلى زعزعة الاستقرار العالمي وارتفاع أسعار الطاقة، ما يضر بالاقتصادات الأوروبية التي تعاني أصلاً من مخاطر الركود.
في المقابل، أكد روبيو أن بلاده لا تنتظر موافقة الحلفاء لتحقيق أهدافها، مشدداً على أن الحرب تهدف إلى تدمير القدرات العسكرية الإيرانية خلال أسابيع، هذا التباين بين نهج أمريكي حازم وموقف أوروبي حذر يعكس فجوة استراتيجية آخذة في الاتساع.

جذور التوتر

لا يمكن فهم الأزمة الحالية دون العودة إلى فترة رئاسة دونالد ترامب الأولى، التي شهدت توتراً غير مسبوق داخل «ناتو»، فقد اتهم ترامب الحلفاء الأوروبيين مراراً بعدم تحمل نصيبهم من الإنفاق الدفاعي، وهدد بتقليص التزام الولايات المتحدة بالحلف، كما أثارت سياساته الأحادية – مثل الانسحاب من اتفاقيات دولية والضغط على الحلفاء في ملفات التجارة والدفاع – شكوكاً عميقة حول موثوقية واشنطن كشريك استراتيجي.
ويشير محللون أوروبيون إلى أن ترامب ينظر إلى حلف «ناتو» من منظور «صفقة» أكثر منه تحالفاً، وهو ما أعاد طرحه مؤخراً بقوله إن الولايات المتحدة «تحمي ناتو، لكنهم لا يحموننا»، هذا الإرث جعل الثقة بين الطرفين هشة، بحيث أصبحت أي أزمة – كالحرب على إيران – قادرة على تفجير الخلافات الكامنة.

تداعيات الخلافات على ضفتي الأطلسي

تلقي الخلافات المتصاعدة بظلالها على طرفي حلف شمال الأطلسي، فبالنسبة للولايات المتحدة، ينعكس ذلك على تراجع قدرة واشنطن على حشد تحالفات دولية واسعة، ما يؤدي إلى زيادة الأعباء العسكرية والمالية عليها، واحتمال تآكل «القيادة العالمية» إذا استمرت السياسات الأحادية الأمريكية في اتخاذ قرارات الحرب.
أما تأثير الخلافات على أوروبا و«ناتو»، فيتجلّى في تصاعد الدعوات إلى «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي وضعف التنسيق العسكري داخل الحلف، ما يعزز احتمالات انقسام سياسي بين الدول الأعضاء. لكن في المقابل، قد تدفع الأزمة بعض الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الدفاعي استجابة للضغوط الأمريكية، وهو ما يحقق أحد أهداف واشنطن.

هل تصل العلاقة إلى حد القطيعة؟

رغم التصعيد الخطابي، تستبعد بعض التحليلات في وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية الوصول إلى قطيعة كاملة بين ضفتي الأطلسي، فالبعض يرى أن الحلف لا يزال يمثل ركيزة أساسية للأمن الغربي، خاصة في مواجهة روسيا، كما أن أوروبا لا تملك بديلاً فورياً عن المظلة العسكرية الأمريكية، وفي المقابل، تحتاج واشنطن إلى الحلف لضمان النفوذ العالمي وتقاسم الأعباء.
لكن ما يبدو مرجحاً – وفقاً لبعض المحللين – هو انتقال العلاقة إلى نمط أكثر براغماتية وأقل تماسكاً، فالخلافات تتزايد حول أولويات الأمن، حيث تركز الولايات المتحدة على الشرق الأوسط واحتواء إيران، بينما تعطي أوروبا الأولوية للحرب في أوكرانيا والاستقرار الإقليمي. في ظل ذلك، حذر دبلوماسيون أوروبيون من أن استمرار هذا التباين قد يؤدي إلى «إضعاف تدريجي» للحلف بدلاً من انهياره المفاجئ.
باختصار، تكشف الأزمة الحالية بين واشنطن و«ناتو» أن التحالف الأطلسي يمر بمرحلة إعادة تعريف لدوره ووظيفته في عالم متغير. وبينما يبدو سيناريو القطيعة الشاملة مستبعداً، فإن استمرار الخلافات – خاصة في ظل نهج أمريكي أكثر أحادية – قد يؤدي إلى تحالف أضعف وأكثر هشاشة. وفي ظل حرب إيران، لا يواجه «ناتو» تحدياً خارجياً فقط، بل اختبار داخلي يتعلق بقدرته على الحفاظ على وحدة أعضائه في مواجهة اختلاف المصالح والرؤى.

Leave a Comment
آخر الأخبار