الحرية – نهلة أبوتك:
لم يعد مرور صهاريج النفط العراقية عبر الأراضي السورية مجرد خبر اقتصادي عابر، بل تحوّل إلى مؤشر واضح على تبدّل أعمق في خريطة الطاقة الإقليمية.
فمع بدء بغداد فعلياً تنفيذ عمليات التصدير البري، تدخل سوريا مجدداً معادلة الطاقة، ولكن هذه المرة من بوابة “العبور” التي غابت عنها لسنوات.
في هذا السياق، يوضح الباحث الاقتصادي ملهم جزماتي في تصريح لـ”الحرية” أن ما يجري يتجاوز كونه نشاطاً نفطياً تقليدياً، قائلاً: “النقطة الأهم في هذا التطور هي أن سوريا لا تستقبل استثماراً نفطياً جديداً بالمعنى التقليدي، بل تستعيد وظيفة اقتصادية ولوجستية كانت قد خسرتها لسنوات طويلة، وهي وظيفة العبور الطاقي. فالعراق فعّل عقوداً لتصدير نحو 650 ألف طن متري بعد عقود لم يُستخدم فيها هذا المسار البري عملياً لهذا الغرض.”
هذا التحول جاء بعد أن انتقلت بغداد من مرحلة البحث عن بدائل تصديرية إلى التنفيذ الفعلي، عبر توقيع عقود لنقل نحو 650 ألف طن شهرياً من زيت الوقود خلال الفترة الممتدة بين نيسان وحزيران، بالتوازي مع انطلاق أولى القوافل في 31 آذار، والتي ضمت مئات الصهاريج المتجهة نحو الداخل السوري.
بالتوازي، عاد معبر التنف – الوليد إلى العمل، لتبدأ الصهاريج العراقية بالوصول إلى مصب بانياس، في خطوة تعيد تفعيل مسار بري كان خارج الاستخدام العملي لسنوات، وتفتح الباب أمام إعادة تشغيل شبكة النقل المرتبطة به.
ويشير جزماتي إلى أن أهمية هذه الخطوة بالنسبة لسوريا لا تتوقف عند حدود مرور الشحنات، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تحريك سلسلة كاملة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بقطاع الترانزيت.
موضحاً: “العملية تعني إعادة تشغيل سلسلة كاملة من الخدمات المرتبطة بالنقل والترانزيت: من المعابر البرية، إلى التخزين، إلى المناولة، إلى استخدام مصب بانياس كمنفذ نهائي للتحميل البحري. وهذا يعني أن العائد السوري لا يُختصر في رسم عبور فقط، بل يمتد إلى دخل لوجستي وخدمي أوسع.”
فعلياً، تدخل هذه الشحنات في دورة تشغيل متكاملة داخل سوريا، تبدأ بالتفريغ في مرافق التخزين، ثم إعادة نقلها إلى محطة بانياس لتحميلها على ناقلات مخصصة للتصدير، فيما ضمت القافلة الأولى نحو 299 صهريجاً، ما يعكس حجم النشاط اللوجستي المتولد عن هذا المسار.
وفي موازاة ذلك، تعمل الجهات السورية على توسيع جاهزية المنافذ الحدودية، من خلال تجهيز معابر إضافية مثل اليعربية – ربيعة وسيمالكا – فيشخابور، في خطوة تعكس توجهاً لاستيعاب حركة أكبر للبضائع والطاقة خلال المرحلة المقبلة.
لكن هذا التحول لا يمكن فصله عن الضغوط التي يواجهها العراق، إذ تراجع إنتاجه من نحو 4.3 ملايين برميل يومياً إلى قرابة 800 ألف برميل يومياً، نتيجة امتلاء المخزونات وتعطل بعض مسارات التصدير، ما دفعه للبحث عن حلول سريعة ومرنة.
وفي هذا الإطار، يلفت جزماتي إلى أن ما يحدث حالياً يجب قراءته بواقعية، قائلاً:
“ما يجري لا يعني أن سوريا أصبحت مركز طاقة إقليمياً بالمعنى الكامل، بل يعني أنها بدأت تستفيد من أزمة إقليمية فتحت نافذة أمام هذا الدور.”
ورغم ذلك، تبقى هذه النافذة ذات أهمية استراتيجية، فهي تمنح سوريا مورداً اقتصادياً مباشراً، وتعيد اختبار بنيتها التحتية تحت ضغط التشغيل الفعلي، كما تفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر استدامة.
أبرز هذه السيناريوهات تتمثل في دراسة العراق إنشاء خط أنابيب نفطي يصل الحقول العراقية بمصفاة بانياس، وهو مشروع، في حال تنفيذه، قد ينقل هذا المسار من حل مؤقت إلى بنية دائمة تعيد رسم موقع سوريا في خريطة الطاقة.
في المحصلة، ما يجري اليوم لا يختصر في حركة صهاريج تعبر الحدود، بل يعكس بداية اختبار حقيقي لدور سوريا في المرحلة المقبلة: هل تبقى ممراً ظرفياً فرضته أزمة، أم تتحول إلى حلقة ثابتة في شبكة الطاقة الإقليمية؟