الحرية ـ باسمة اسماعيل :
يشهد التعاون السوري– التركي تحولاً نوعياً متسارعاً، منتقلاً من تبادل اقتصادي تقليدي إلى مسار استراتيجي شامل، تقوده مشاريع ذات أبعاد اقتصادية وسياسية واسعة، تضع إعادة الإعمار وتحفيز النمو واستقرار سوريا في صلب أولوياتها.
توسع لافت في قطاع الطاقة والكهرباء
بيّن خبير السياسات الاقتصادية الدكتور ذو الفقار عبود لـ”الحرية” أن التعاون السوري – التركي يشهد تطوراً متسارعاً، ولا سيما في قطاع الطاقة، بهدف إعادة تأهيل البنية التحتية وإنتاج الكهرباء في سوريا، وتشمل الاتفاقات خلال عامي (2025-2026) استيراد الغاز الطبيعي عبر خط كليس- حلب، وتزويد سوريا بـ 1000-1300 ميغاواط من الكهرباء، إضافة لخطط تركية للاستثمار في التنقيب عن النفط والغاز والفوسفات، لتزويد سوريا بـ 12 ساعة تغذية يومياً.
ولفت عبود إلى أن التعاون في مجال الكهرباء والطاقة بين البلدين يشمل تصدير الغاز والكهرباء، حيث تم الاتفاق على بدء تصدير ملياري متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً من تركيا إلى سوريا عبر خط من كليس إلى حلب، ما يساهم في زيادة إنتاج الكهرباء في المحطات السورية، إضافةً إلى الربط الكهربائي حيث يتم العمل على استكمال ربط شبكة الكهرباء السورية بتركيا عبر خط 400 كيلو فولت لزيادة التغذية الكهربائية، وهناك مشروع سفن الطاقة لشراء سفينتين لإنتاج الكهرباء من تركيا وقطر بإنتاج متوقع يصل إلى 800 ميغاواط. إضافة لمشاريع إقليمية منها مشروع ربط خط أنابيب غاز من سوريا بتركيا وربطه لاحقاً مع العراق.
استثمارات واعدة في النفط والتعدين
ولفت الدكتور ذو الفقار إلى أنه في مجال التعاون في التعدين والاستثمار، هناك رغبة لدى الشركات التركية في الاستثمار في مجالات التعدين، واستخراج الفوسفات، ونقل وتوزيع الكهرباء. وإعادة التأهيل من خلال التعاون بين الشركة السورية للبترول ونظيرتها التركية لإصلاح الحقول المتضررة والآبار المتوقفة، ثم التنقيب عن النفط والغاز حيث تم بحث مشاريع مشتركة لاستكشاف النفط والغاز في البر والبحر السوري.
أبعاد استراتيجية
وأضاف الخبير الاقتصادي: بالنسبة لأهداف وأبعاد التعاون، هناك هدف رئيسي يتمثل بدعم جهود إعادة الإعمار، حيث تهدف هذه الشراكات إلى دعم قطاع الكهرباء الذي يعاني من عجز كبير، ومساندة جهود إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي السوري، إضافة إلى التقارب السياسي والاقتصادي، فهذه الخطوات تأتي في إطار تحسن العلاقات بين سوريا وتركيا ما يفتح المجال لتعاون واسع في التجارة والبنية التحتية.
وتابع: كما أن سوريا تتطلع عبر هذا التعاون إلى رفع إنتاج النفط وإعادة تأهيل الشبكات الكهربائية لتحقيق الاستقرار في تزويد الطاقة، بالاعتماد على رفع العقوبات لتحفيز الاستثمارات التركية.
شراكة تجارية تتجه إلى أرقام قياسية
وأردف الخبير الاقتصادي قائلاً: قد دخل التعاون الاقتصادي بين تركيا وسوريا مرحلة جديدة مع توقيع ميثاق اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة بين البلدين “جيتكو”، خلال الاجتماع الأول الذي عقد منذ عدة أيام في إسطنبول، بمشاركة وزير التجارة التركي ووزير الاقتصاد والصناعة السوري، بحضور حاكم مصرف سوريا المركزي، إلى جانب ممثلين عن قطاع الأعمال في البلدين، الاجتماعات تناولت آليات رفع حجم التبادل التجاري، الذي بلغ 3.7 مليارات دولار العام الماضي، إلى 5 مليارات دولار كمرحلة أولى، ثم إلى 10 مليارات دولار لاحقاً، كما شملت بحث إبرام اتفاقية تجارة حرة وتوظيف
الإمكانات الاقتصادية المتاحة بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين.
ونوه بأن هذا التطور يأتي بعد توقيع بروتوكول تأسيس اللجنة في آب 2025، في إطار مسار متصاعد يهدف إلى تعزيز التكامل الاقتصادي بين البلدين، ومن هنا تبرز أهمية تحقيق التكامل بين اقتصادَي البلدين، ففي الجانب السوري تتوافر اليد العاملة المدربة وذات التكلفة التنافسية، فيما يمكن للجانب التركي تقديم مساهماته في جهود إعادة إعمار سوريا.
تكامل مالي ومنصات تعاون قطاعي
وأشار الدكتور ذو الفقار إلى أنه من جانب آخر تعمل سوريا على تطوير البنية التحتية المالية وتعزيز التكامل مع النظام المصرفي العالمي، ولا سيما مع البنوك التركية، رغم التحديات القائمة.
وذكر أنه في السياق ذاته، يتركز التعاون بين سوريا وتركيا من خلال منتدى الأعمال والاستثمار التركي–السوري الذي يشهد لقاءات ثنائية بين رجال الأعمال في قطاعات الطاقة والبناء والصحة والزراعة والخدمات اللوجستية والتعليم والنسيج، إلى جانب جلسات متخصصة تتناول قضايا التمويل والمقاولات وسلاسل الإمداد، مع البحث في التحديات اللوجستية وحركة النقل عبر الحدود، وخاصة في ظل تصاعد حجم التبادل التجاري بين البلدين.
مؤشرات نمو متسارعة في التجارة
ويرى الدكتور ذو الفقار أن هذه الخطوات تمثل نقلة نوعية في مسار التعاون الاقتصادي بين البلدين، مع انطلاق مسار متقدم من التعاون المشترك، من خلال التركيز على الفرص التي يتيحها هذا التعاون.
وأضاف: على صعيد المؤشرات التجارية، أدرجت تركيا سوريا ضمن قائمة الدول المستهدفة في التصدير، مع تسجيل نمو ملحوظ في الصادرات، إذ ارتفعت الصادرات التركية إلى سوريا في عام 2025 بنحو 60% مقارنة بعام 2024، من 2.2 مليار دولار إلى 3.5 مليارات دولار، تصدرتها منتجات المطاحن والحبوب بقيمة 232.7 مليون دولار،كما زادت الصادرات خلال أول شهرين من عام 2025 بنسبة 47.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتصل إلى 526.2 مليون دولار، قبل أن تتجاوز 666.7 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الجاري، مسجلة نمواً سنوياً بنسبة 26.7%. وجاءت المركبات البرية ومكوناتها في صدارة الصادرات بقيمة 72.7 مليون دولار.
أدوات استراتيجية
تؤكد هذه المؤشرات أن التعاون السوري– التركي يتجه نحو مرحلة أكثر ترابطاً وفاعلية، حيث تتحول مشاريع الطاقة والتبادل التجاري إلى أدوات استراتيجية لإعادة بناء الاقتصاد السوري وتعزيز التكامل الإقليمي على أسس مستدامة.