الحرية – مايا حرفوش:
في ظل التحديات الاقتصادية العميقة التي خلفتها سنوات الحرب، يبرز القطاع الزراعي في سوريا كأحد أبرز مفاتيح التعافي الاقتصادي، نظرًا لدوره الحيوي في تأمين الغذاء، وتوفير فرص العمل، وتنشيط الإنتاج في المناطق الريفية.
الخبير الاقتصادي محمود المحمد أوضح لـ الحرية أن الزراعة شكّلت تاريخيًا ركيزة أساسية للاقتصاد السوري، حيث كانت البلاد قبل الحرب تقترب من تحقيق الاكتفاء الذاتي في محاصيل استراتيجية مثل القمح والشعير، إلى جانب منتجات تصديرية ذات قيمة عالية كزيت الزيتون والفستق الحلبي، غير أن هذا القطاع تعرض خلال السنوات الماضية لانتكاسات حادة، نتيجة تضرر البنية التحتية، ونزوح اليد العاملة، وارتفاع تكاليف الإنتاج.
ومع تصاعد الضغوط المعيشية وتراجع القدرة الشرائية، تعود الزراعة اليوم إلى واجهة النقاش الاقتصادي كخيار عملي وسريع نسبيًا لتحفيز النمو، ويرى مختصون أن إعادة إحياء هذا القطاع من شأنها تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز الأمن الغذائي، خاصة في ظل تقلبات سعر الصرف وصعوبة الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وأضاف المحمد: رغم هذه الأهمية، لا يخلو هذا المسار من تحديات كبيرة، إذ يواجه المزارعون ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار مستلزمات الإنتاج، من بذور وأسمدة إلى وقود، ما يضغط على هوامش الربح ويثني البعض عن الاستمرار، كما تسهم التغيرات المناخية، ولا سيما موجات الجفاف المتكررة، في زيادة المخاطر التي تهدد الإنتاج الزراعي.
إلى جانب ذلك، تعرقل محدودية التمويل والاستثمارات جهود تحديث القطاع، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى إدخال تقنيات حديثة في مجالات الري والإنتاج لرفع الكفاءة وتقليل الهدر، كما يؤدي ضعف سلاسل التوريد والتخزين إلى خسائر إضافية، خاصة في المنتجات سريعة التلف.
في المقابل، تبرز فرص واعدة إذا ما أُحسن استثمارها، فالقطاع الزراعي يمتلك قدرة كبيرة على استيعاب اليد العاملة، ما يجعله أداة فعالة للحد من البطالة في المناطق الريفية،كما أن تطوير الصناعات الغذائية المرتبطة به يمكن أن يخلق قيمة مضافة ويعزز فرص التصدير.
ويشير المحمد إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية شاملة لإعادة بناء القطاع الزراعي، تشمل دعم المزارعين، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير التمويل الميسر، فضلًا عن إصلاح السياسات الزراعية بما يحقق توازنًا بين الإنتاج المحلي ومتطلبات السوق.
وفي المحصلة، تبقى الزراعة في سوريا أكثر من مجرد قطاع اقتصادي؛ فهي تمثل ركيزة استراتيجية في مسار التعافي، وقادرة على تسريع الوصول إلى استقرار اقتصادي نسبي، إذا ما اقترنت بسياسات فعالة واستثمارات مدروسة.