الحرية ـ باسمة اسماعيل:
تفتح التحولات الأخيرة والمتمثلة بقرار النرويج إزالة سوريا من قائمة الدول المستثناة من الاستثمار في سنداتها الحكومية، بالتوازي مع إعادة تفعيل حساب مصرف سورية المركزي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي، نافذة جديدة في البيئة المالية الدولية أمام الاقتصاد السوري، وتعد مؤشراً يعكس بداية إعادة التموضع ضمن النظام المالي العالمي.
القرار النرويجي… قيمة الإشارة لا حجم التمويل
وفي معرض تحليله لقرار النرويج بيّن عميد كلية الاقتصاد باللاذقية الدكتور عبد الهادي الرفاعي في حديثه ل “الحرية” أهمية القرار ودلالاته الاقتصادية المباشرة، وانعكاساته المباشرة على الاستثمار الأجنبي والبعد السياسي والدبلوماسي، وآثاره على القطاع المالي والمصرفي السوري.
مشيراً إلى أن القرار الذي اتخذته النرويج مؤخراً، حيث أبلغت وزارة المالية النرويجية صندوق الثروة السيادي لديها (أكبر صندوق في العالم بقيمة 2.2 تريليون دولار) بإزالة سوريا من قائمة الدول المستثناة من الاستثمار في سنداتها الحكومية، وهو قرار مهم جداً.
شهادة سياسية وأخلاقية قبل أن تكون مالية
وأضاف الرفاعي: أن هناك نقطة جوهرية يجب توضيحها فالقرار لا يعني أن الصندوق سيستثمر في سوريا بشكل تلقائي، والصندوق حالياً لا يمتلك أي استثمارات في ديون حكومية لدول الشرق الأوسط، إلا أن القيمة الحقيقية للقرار هو “رسالة الثقة” وليس التدفق النقدي المباشر، لكون النرويج معروفة بمعاييرها الأخلاقية الصارمة في الاستثمار، لذا فإن إزالة سوريا من قائمة الاستثناءات هي شهادة سياسية وأخلاقية قبل أن تكون مالية.
انعكاسات اقتصادية مباشرة
وتابع الدكتور عبد الهادي تحليله قائلاً: إن لهذا القرار دلالات اقتصادية مباشرة: فعندما تصدر مؤسسة بحجم صندوق النرويج السيادي إشارة بأن سوريا لم تعد دولة محظورة، فإن ذلك يؤثر على طريقة نظر وكالات التصنيف الائتماني والمستثمرين المؤسسين إلى سوريا، وتراجع “علاوة المخاطر” يعني أن سوريا قد تتمكن مستقبلاً من إصدار سندات سيادية (دولية أو محلية) بأسعار فائدة أقل، ما يخفف أعباء الدين العام.
استعادة القنوات المالية الدولية
إعادة تفعيل حساب مصرف سوريا المركزي لدى الاحتياطي الفيدرالي، هذا الحدث لا يقل أهمية عن القرار النرويجي، ويعني عملياً: تسويات المعاملات المالية الدولية بالدولار ، و إجراء تحويلات رسمية مع البنوك العالمية، مع بناء علاقات مراسلة مصرفية مع مؤسسات مالية كبرى.
وتابع الدكتورعبد الهادي: من دون هذا الحساب، كانت أي استثمارات أو تحويلات مالية تواجه عقبات لا يمكن تجاوزها عملياً.
تمهيد الطريق لإصدار سندات سيادية
إعادة تفعيل الإصدارات السيادية من السندات، يرتبط مباشرة بالقرار النرويجي، لأن السندات الحكومية هي أداة تقليدية لتمويل عجز الموازنة وتمويل مشاريع إعادة الإعمار، ولكي يشتري المستثمرون الأجانب هذه السندات يجب أن يكونوا مطمئنين أن حيازتها قانونية، وأن بإمكانهم تسوية المدفوعات، فالقرار النرويجي مع حساب الاحتياطي الفيدرالي يزيلان عقبتين كبيرتين أمام ذلك.
الاستثمار الأجنبي… بين الإشارة والتنفيذ
وأوضح الدكتور عبد الهادي أن هذا القرار يحفز جذب “الاستثمار الأجنبي المباشر” وهذا صحيح من زاوية “تأثير التتالي” عندما يتحرك مستثمر مؤسسي كبير ومحافظ مثل الصندوق النرويجي، فإنه يرسل إشارة للمستثمرين الآخرين بأن البيئة الاستثمارية أصبحت أكثر أماناً وقانونية، مشيراً إلى أن الشركات متعددة الجنسيات وشركات الأسهم الخاصة غالباً ما تنتظر “ضوءاً أخضر “من جهات مثل النرويج قبل الدخول إلى أسواق كانت محظورة.\
وأضاف: مع ذلك، هناك فرق بين فتح الباب ودخول المستثمرين، فالاستثمار الأجنبي المباشر يحتاج إلى أكثر من إشارات سياسية، ويحتاج إلى: قوانين واضحة لحماية الملكية وحل النزاعات، و بنية تحتية مصرفية عاملة، مع استقرار سياسي وأمني طويل الأمد.
وبحسب رأي الدكتور عبد الهادي فإن ما يحققه القرار النرويجي هو إزالة عقبة “الشرعية المالية”، أمام المستثمرين المحتملين.
الأبعاد السياسية والدبلوماسية
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن توقيت القرار يعزز أهميته إذ جاء بعد، رفع العقوبات الأمريكية الأكثر تشدداً في 2025، ووصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة أواخر 2024 ، مشيرا إلى أن النرويج ليست دولة كبيرة من حيث التأثير الجيوسياسي المباشر، لكن صندوقها السيادي هو الأكبر في العالم، وقراراتها غالباً ما تقرأ كمؤشر على توجهات أوسع في أوروبا الشمالية وأوروبا بشكل عام.
وهذا القرار يعزز من شرعية الحكومة الجديدة، ويظهر المجتمع الدولي (عبر مؤسسة مالية محترمة) يقر بوجود مسار اقتصادي جاد.
الآثار على القطاع المالي والمصرفي
كما بيّن الدكتور عبد الهادي أن المرحلة المقبلة قد تشهد إصلاح الشركات المملوكة للدولة كون هذا القرار سيجعل الشركات المملوكة للدولة “أكثر جاذبية للشراكات الاستراتيجية” وهذا قد يعني توجهاً نحو خصخصة جزئية أو شراكات مع القطاع الخاص، وهذا يحتاج إلى تقييم دقيق لأصول هذه الشركات (التقييم المالي)، و آليات شفافة للشراكة، إضافة الى ثقة من المستثمرين بأن هذه الشركات لن يعاد تأميمها.
تطوير قطاع التأمين
الإشارة إلى “قطاع تأمين حديث” مهمة جداً، لأن إعادة الإعمار تحتاج إلى تأمين للمشاريع والمقاولين والعمال، وغياب قطاع تأمين قوي يمنع الشركات الدولية من الدخول في عقود إعمار كبيرة، فتحسن بيئة التأمين هو نتيجة طبيعية لعودة الاندماج المالي.
ورغم الزخم الإيجابي، يشدد الدكتور عبد الهادي على جملة من النقاط يجب أخذها بعين الاعتبار، وهي أن القرار ما زال قيد المناقشة البرلمانية، فالوثيقة البيضاء النرويجية قُدمت للبرلمان في 27 آذار 2026 ولم تُناقش بعد، هناك فارق بين قرار حكومي ومصادقة برلمانية نهائية.
غياب استثمارات فعلية في الشرق الأوسط: الصندوق النرويجي ليس لديه استثمارات في سندات حكومية لأي دولة في الشرق الأوسط حالياً، هذا قد يعني أن المعايير الداخلية للصندوق لاتزال تمنع الاستثمار في المنطقة، أو أن العوائد لا تتناسب مع المخاطر.
ـ حجم التمويل المتوقع لا يتناسب مع حجم إعادة الإعمار: حتى لو استثمر الصندوق النرويجي، فإن حجم استثماراته في الديون الحكومية لدولة مثل سوريا لن يتجاوز مئات الملايين من الدولارات في أفضل الأحوال، بينما تقديرات إعادة إعمار سوريا تتراوح بين 400-600 مليار دولار.
المرحلة الحالية “رفع القيود” لا “بداية التدفقات”
وتابع الدكتور عبد الهادي حديثه بالقول إن وزير المالية محمد يسر برنيه أشار إلى “المؤسسات الشفافة” القائمة على سيادة القانون، وهذا هو التحدي الحقيقي وليس مجرد رفع قيود، وبكلام آخر، إن ما يحدث هو “فتح الأبواب” وليس “تدفق الأموال”.
فالنرويج تقول للمجتمع المالي الدولي: ” سوريا لم تعد محظورة”، حساب مصرف سورية المركزي لدى الاحتياطي الفيدرالي يقول: “سوريا قادرة على استقبال الأموال” هاتان الخطوتان تزيلان عقبات قانونية وتقنية كانت مستحيلة قبل أشهر قليلة.
الانعكاس العملي..المدى المتوقع للتأثير
كما رجح الدكتور عبد الهادي أن نشهد في المدى القريب (1-2 سنة) تحسن في قيمة الليرة السورية(بسبب تحسن التدفقات المالية توقعاتها)، و بدء محادثات جادة مع صناديق استثمار ومؤسسات مالية دولية، و إصدارات سندات حكومية صغيرة في سوق دمشق للأوراق المالية، شراكات محدودة مع شركات إقليمية في قطاعات محددة (اتصالات ـ طاقةـ بناء).
أما الانعكاس العملي في المدى الطويل (5- 10 سنوات) فبحسب رأيه يعتمد كلياً على مدى نجاح الحكومة في تحويل هذه “الإشارات الإيجابية” إلى إصلاحات مؤسسية ملموسة.
تحويل الانفتاح المالي لواقع اقتصادي مستدام
تؤسس هذه الخطوات لمرحلة جديدة في علاقة سوريا بالاقتصاد العالمي، غير إن استثمار هذه اللحظة يتطلب انتقالاً فعلياً من كسب الثقة إلى ترسيخها، عبر سياسات وإصلاحات قادرة على تحويل الانفتاح المالي إلى نمو اقتصادي مستدام.