نصوص مدعومة باللوحات .. الفياض يوثق للحرف السورية في كتاب جماعي

مدة القراءة 5 دقيقة/دقائق

الحرية- لبنى شاكر:

معروفٌ اهتمام الباحث محمد فياض الفياض بتوثيقِ التُّراثِ الثَّقافيِّ الماديِّ واللامادي، وحرصه المُستمر على رفد أي مساهمة أو جهد يدعم الحرف السورية، وهو صاحب كتاب “الحرف التقليدية في سورية”؛ مرجعٌ موسوعيٌ ضخمٌ، مزود بمصورات جغرافية لبيئات الحرف السورية والفنون الشعبية الأخرى. وفي رصيده أيضاً الكثير من الأبحاث والدراسات والمشاركات الصحفية في عوالم المهن اليدوية، وما يرافقها من مهارات ومعارف وابتكارات، إلى جانب حضوره في لجان الخبراء والباحثين في مجال التراث الشعبي وتدوين المرويات، وتحكيم المخطوطات وتوثيق التراث الشفاهي، وغير ذلك الكثير.

تتمحور فكرة الكتاب الجماعي حول المخاطر التي تواجه الحرف والمهن الفلسطينية والعربية

وفي السياق ذاته، تأتي مشاركته هذه المرة في إعداد كتاب “حرف ومهن وصنائع فلسطينية وعربية/ محطات من التراث الثقافي العربي/ ذاكرة وطن وهوية أمة”، بالتعاون مع الفنان التشكيلي المقدسي “شهاب قواسمي”، والمهندس “معمار هادف سالم” مدير مؤسسة تراثنا للدراسات والترميم في الجزائر، والباحثة في التُّراث الثَّقافي “رحاب أنور” من مصر.

فكرة الكتاب

تتمحور فكرة الكتاب الجماعي، كما يشرح الفياض في حديث إلى “الحرية”، حول المخاطر التي تواجه الحرف والمهن الفلسطينية والعربية، حيث يبرز الاحتلال الإسرائيلي كعائق أساسي يحاول طمس الهوية الثقافية والتراثية (المادية وغير المادية)، وتظهر في المحيط العربي تحديات الحداثة والتحول من الصناعات التقليدية إلى الصناعة الغزيرة، وسط تخبط في كيفية الموازنة بين الحفاظ على التراث ومواكبة العصر. ومن ثم فالهدف من الكتاب “استنهاض همم الحكومات والمؤسسات لابتكار استراتيجيات جديدة لحماية وإحياء هذه الحرف؛ كونها ركيزة للهوية الوطنية، ووسيلة لدعم الاقتصاد المحلي وترسيخ قيم التعاون”.

طبيعة الحِرف

أما عن طبيعة الحرف التي يُوثّق لها المُؤلّف الصادر عن”مؤسسة تراثنا للدراسات والترميم” في الجزائر، فيوضح الفياض أن التركيز شمل الحرف والمهن والصنائع العربية، سواء التي اندثرت أو التي لا تزال تقاوم الزوال، علماً أنه لا يدعي الشمولية نظراً لكثرة هذه المهن وتعدد تسمياتها، بل يركز على “الحرف العميقة” و”الشريفة” وتلك المرتبطة بالإبداع، الزراعة، الخدمات، وعمل المرأة. لكن ما يميز هذا الإصدار عن غيره “تفرده بمنهجية تعتمد على الهوية البصرية؛ حيث لا يكتفي بالسرد التاريخي والمعلومات العلمية، بل يعيد إحياء الصور القديمة والبطاقات البريدية من خلال لوحات فنية تشكيلية بريشة الفنان “شهاب قواسمي”. والهدف نقل القارئ إلى زمن الحرفة بدقة وموضوعية، بدلاً من الاعتماد على الصور الفوتوغرافية الجامدة”.

الكتاب مرجع توثيقي للحرف والصنائع التقليدية العربية التي تواجه الحداثة

مادة سلسة

وحول كيفية المواءمة بين المادة المكتوبة ونظيرتها البصرية، يشير الباحث إلى أنه “سيتم التركيز على النوعين معاً، المادة البصرية التي تمثل الصورة المرسومة، والسرد التاريخ عن طبيعة هذا النشاط؛ فعندما نتحدث مثلًا عن حرفة الخط العربي وهي من أعرق الفنون، المتداخلة مع التراث الثقافي بشقيهِ الماديِّ وغير الماديِّ، فهي ليست حرفة عادية، ناهيك عن أنواع الخطوط العربية وطريقة هندستها وزخرفتها، ربما الغوص في غمار كل حرفة وتفاصيلها يحتاج إلى دراسات كثيرة ومعمقة، ولكن قد يستطيع الباحثون في هذا الكتاب تصدير القيم الجَّمالية بعبارات مكثفة ومدروسة لتصل إلى القارئ بشيء من الراحة”. وكما يقول “نحن اليوم في عصر جديد، ويجب علينا أن نتماشى مع طباع البشر بعيداً عن الاستطراد الكثيف الذي يرهق القارئ ويشتت أفكاره ويشوش بصيرته، أي نحن نقدم اليوم مادة سلسلة قوامها الابداع الفني والمعلومة العلمية المركزة”.

الحضور السوري

وضمن هذا النسيج العربي، تتربع الحرف السورية، فهي على حد تعبير الفياض “درة الفنون العربية، ربما لا نستطيع انصافها مهما كتبنا عنها، ولكننا لو بحثنا في رحابِ وبواطن المصادر والمراجع والمخطوطات لوجدناها متربعة على عرش الفنون كلها”. مضيفاً للحرية: “الحرف والمهن والصنائع السورية ستكون الأكثر حظاً في الحضور ليس من باب التحيز، ولكن الحرف السورية هي التي تفرض نفسها كمدرسة من مدارس الفن، وكيف لا وسوريا هي مهد الفنون كلها، ومنها انطلقت الأبجدية الأولى، وترسخت أيضاً قيم الجمال لمدارس الحرف، وانطلقت إلى العديد من البيئات الأخرى لاسيما الحرير الدمشقي “البروكار” وصناعة الجوهر المتعلق بصنعة السيوف وأنصالها، وكذلك حرفة التكفيت والزجاج والقيشاني، والخط العربي، والحرف الخشبية الموشاة بالصدف؛ بالإضافة إلى حرفة الفسيفساء، وغير ذلك من الحرف”.

لمن يتوجه الكتاب؟

بناء على هذه الأهمية، سألت “الحرية” الفياض لمن يتوجه الكتاب، هل هو مرجع للمتخصصين، أم محاولة لتحفيز الجيل الجديد للعودة إلى العمل اليدوي؟ وكانت إجابته “الكتاب يمثل مرجعاً توثيقياً للحرف والصنائع التقليدية العربية التي تواجه الحداثة، حيث يستهدف المختصين والباحثين بمادة دسمة حول تاريخ هذه المهن، وفي الوقت ذاته يسعى لحث الشباب على تعلمها واستعادتها كنشاط اقتصادي. كما يحمل الكتاب رسالة للحكومات العربية بضرورة سن تشريعات تحمي هذا التراث وتطوره؛ كونه يمثل جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية، ووسيلة فعالة لتحقيق الاكتفاء الذاتي ودعم المجتمعات الأكثر فقراً من خلال المشاريع الصغيرة والمتوسطة”.

Leave a Comment
آخر الأخبار